تحمل كلمات أغنية "يا أهل العرب والطرب" من تأليف الدكتور نبيل خلف ، وغناء المطرب محمد منير  .. بعض الغموض ، وإن كانت واضحة في مجملها ؛ فهي تحمل – بشكل عام - معني حب الوطن .. تعالوا معي لنغوص في كلمات  هذه الأغنية ، ونتلمس ما بين السطور من معانٍ رائعة ترصد الواقع وتؤرخ له ، وسنحاول توضيح الغموض  وفقا لسياق الأغنية / القصيدة والواقع الخارجي  .. وفي كل ذلك أؤكد علي أن المعني في بطن الشاعر كما يقال :

تقول الأغنية في مطلعها:

جدع بلا جاه مرسى الهموم قلبه ... دايما يقول الآه و الذنب مش ذنبه
(جدع) : المقصود بها شعب مصر أو شباب مصر أو شاب من شعب مصر ، الذي لا يملك من أمره شيئا ؛ فهو بلا جاه أو عظمة أو سلطان ، وقلب هذا الشاب هو المكان الذي تتجمع فيه الهموم ، وهنا يصور الشاعر قلب الشاب بالمرسي ، ويصور الهموم بالسفن الضخمة التي تستقر في قلب هذا الشاب ، وكلمة الهموم جاءت جمع لتوحي بكثرة هذه الهموم ، ولذلك فهو يتوجع ويتألم دائمًا من هذه الهموم  ( البطالة ، الفساد ، الظلم ، الجهل ... الخ) وهو ليس له ذنب في كل ذلك .. وهنا ونحن نستمع إلي جملة ( الذنب مش ذنبه)  يتبادر إلي أذهاننا المذنبون الحقيقيون وهم الفاسدين والظالمين من القائمين علي أمور الوطن الذين تسببوا في هذه الهموم .

دا أنا لو شكيت و بكيت جبل الحديد هيدوب ... الأوله غربتى و التانيه المكتوب

دا أنا لو شكيت : استخدام ( لو ) هنا يوحي بالشك أو الاحتمالية ، وكأنه يريد أن يخبرنا بأنه لا يريد أن يشكو بشكل علني مما يوحي بالعزة والتحمل ، ولكن إن فعلها وأخرج شكواه فإن جبل الحديد الصلب سيلين من النار الحارقة التي ستخرج من هذه الشكوي وهذه الدموع المصاحبة لبكائه وكأنها قطرات من اللهب تتساقط علي الحديد فيذوب . والشكوي الأولي هي (غربتي) ، والغربة هي افتقاد الإحساس أو الاتصال بالوطن أو الإحساس بالبعد عن الوطن  والشوق والحنين إليه ، والمفارقة هنا أن هذا الشاب أو الشعب  موجود في وطنه فهو لم  يسافر لكي يشعر بالغربة .. وهذا يوحي بمدي انفصال الشباب عن وطنهم  فلا هدف أمامه ولا مستفبل مبشر ولا سكن لائق  ولا عمل مجدي ، ولا حياة كريمة.

والشكوي الثانية هي (المكتوب) ولا أعتقد أن المكتوب هنا تعني القضاء والقدر كما يفسرها البعض  ، ولكن هي أقرب في المعني لكلمة (الواقع) واستخدام كلمة المكتوب توحي بمدي إحباط الشاعر وكأنه يريد أن يقول أن الواقع مثل المكتوب فكلاهما لا يمكن تغييره ، والمكتوب هو الواقع الحالي الذي نعيشه الآن ؛ فبعد مئات الشهداء والمصابين من الشباب أو الشعب الذي كان يحلم بالحرية والعدل والحياة الكريمة والقضاء علي الفاسدين ، نجد الأمور تنقلب إلي انفلات أمني وفوضي في الأسعار وأزمات في الوقود وقطع طرق ....  الخ .

جرحى القديم يا غريب أنا كنت راضى به ......... جرحى الجديد يا حكيم زود لهاليبه

جرحي القديم : أي النظام  السابق  ثم وصفه بالغريب  ، ورغم ذلك كان راضيًا به متحملا آلامه وأوجاعه ، أما قوله  (جرحي الجديد) فتحتمل أكثر من تأويل ؛ فربما يقصد به المجلس العسكري ، أو الإخوان ، أو تفرق القوي الثورية إلي فصائل متنازعة فيما بينها ، وربما يشير إلي كل ذلك  ، وقوله : (زود لهاليبه) أي أن جرحي الجديد زود وأشعل آلام جرحي القديم ، وكأنه يريد أن يقول : لا يوجد فارق كبير بين جرحي القديم (النظام السابق ) وبين جرحي الجديد ( القائمين علي الحكم الآن)  فكلاهما جرح .
يا أهل العرب و الطربالعدل مين سيده ... سيده ويا للعجب وطى و باس إيده

ينادي الشاعر علي العرب  ليشهدوا علي ما يحدث ؛ فهم شركاء في الواقع ، في تونس وليبيا واليمن والبحرين وسوريا ، وأضاف كلمة (الطرب ) ليؤكد علي أهمية الأغنية الهادفة في حياة الشعوب ، ثم يتساءل (العدل مين سيده ؟)  والعدل هنا ليس معناها  (الله ) عز وجل - كما يظن البعض – وإنما معناها نظام العدل ، و(سيده)  المقصود بها : المسئول عنه أو الذي يطبقه أو الحاكم أو الشرطة  أو القاضي الذي يشرف عليه  ، ثم تأتي الإجابة عن التساؤل في قول الشاعر ( سيده ويا للعجب  وطي وباس ايده ) وهنا  تأتي الصدمة والمصيبة الكبري ؛ فسيد العدل والذي يشرف علي تطبيقه  (وطي ) وهنا الفعل يوحي بالذل والخضوع والمهانة  ، ويؤكد هذا المعني قوله بعد ذلك (وباس إيده)  ، فسيد العدل والذي يشرف علي تطبيقه بعد أن وطي  وخضع قام بتقبيل يده ، والهاء في ( إيده ) تعود علي النظام القديم متمثل في الرئيس المخلوع ورجاله الذين كانت تؤدي لهم التحية العسكرية أثناء محاكمتهم (كما ظهر في أحد الفيديوهات) ولم يعاملوا كمتهمين قتلوا المتظاهرين وأفسدوا البلاد والعباد .  

بلدى قصاد عينى قلت أعديلها .... يا مراكبى رسينى و يا رب عدلها
عندما بأت الثورة رأيت بلدي أمامي  بعد أن كانت  مختفية تغطيها عشرات السنين من الجهل والتخلف والقمع ، رأيتها علي الضفة  الآخري ،  وقررت أن أتخطي كل الصعاب من أجل الوصول إليها  وربي سيساعدني  وسيرعاها ويصلح حالها .

اللى يعاديك تعاديه و تفرجه فنونك ... واللى يراضيك تراضية و تشيله فى عيونك

يوجه الشاعر حديثه إلي الشاب أو الشعب قائلاً: من يعاديك لابد أن تعاديه ولا تسكت مثلما كنت تفعل في الماضي  ، بل لابد أن تعاديه وتظهر له فنونك ومهاراتك في العداوة  مثلما أظهرتها في ثورة 25 يناير ، أما الذي يرضيك ويحرص علي مصلحتك ونهضتك فلابد أن تحافظ عليه تحترمه وتضعه في عينيك .

و أنا هعمل ايه يا ناس و الطبع ليه غلاب ... وحبيبتى بنت الناس قفلت فى وشى الباب

يتساءل الشاعر بأسلوب تفوح منه رائحة الإحباط  : ماذا أفعل يا ناس ؟ ولماذا الطبع دائمًا غلاب ؟  ... تري ما الذي دعا الشاعر إلي هذين السؤالين ؟

أري أن ما دعاه إلي هذين السؤالين هو الواقع المرير والأزمات المستمرة التي تتعرض لها الثورة ، والمحاولات المستميتة من أصحاب المصالح والفسدين المنتفعين من  النظام السابق للانقضاض علي الثورة وتشويه صورتها ، ومن تعامل بعض رجال الشرطة والقوات المسلحة بعنف مع المتظاهرين وأسر الشهداء مثلما كان يفعل النظام السابق مع معارضيه ، وطبع الناس التي ما زالت مستمرة في فسادها وتقديم الرشاوي غير ملتفتة إلي شباب ضحي بحياته من أجل وطن أفضل لنا.

 فالقائمين علي أمور الوطن يغلب عليهم طبعهم غلاب ؛ ويتمثل في تقديم المصالح الشخصية والحزبية علي مصالح الوطن فهم متفرقون لا يجتمعون إلا ليتفرقوا ، ولذلك عندما (عديت) لبلدي قامت بغلق الباب في وجهي  وهي غاضبة ؛ فهي تريدنا أن نكون يدًا واحدة ونبتعد عن التفرق إلي طوائف : إخوان وسلفيين وليبراليين وأقباط وفلول ...الخ .

رضيت بحكمك يا رب و الصبر بزيادة ... ظلمونى من غير ذنب حسدونى بزيادة

ثم يسلم أمره لله ، ويؤكد علي أنه سيصبر وسيكون صبره جميلاً (بزيادة) ، ثم تأتي  كلمة (ظلموني)  وكأنه يريد أن يقول : يارب سأصبر ولكن عليك بهم لأنهم (ظلموني) رغم أنني لم أذنب ولم أرتكب أي خطأ ولكنهم (ظلموني ) والمقصود بهم  القائمون علي أمور الوطن ، ويتمثل هذا الظلم  في عدم تحقيق أهداف الثورة والأزمات المفتعلة وتشويه الثورة والثوار في نظر عامة الناس ، مع عدم شعور الشباب أو الشعب بأي تحسن بعد الثورة ، بل علي النقيض ؛ فالأسعار زادت ، وتخاذلت الشرطة عن أداء مهامها ، واشتعلت المؤسسات والشركات بالاحتجاجات الفئوية وزادت البطالة ... الخ  ، ثم يأتي دور الحساد الذين حسدوا هذا الشاب أو هذا الشعب علي ما قام به في بداية الثورة وانبهرت دول العالم وانهالت عليه أعين الحساد حتي انقلبت الصورة الجميلة التي صنعها هذا الشاب أو الشعب لثورة 25 يناير إلي صورة تشبه الضباب .. فكفي أيها الحساد .

وفي النهاية تبقي هذه الأغنية بكلماتها المعبرة وأداء محمد منير الأصيل العميق لتعبر عما يدور بداخل معظم المصريين وبخاصة الشباب الذي صنع الثورة ثم خرج منها صفر اليدين بعد أن استولي عليها آخرون .

المصدر: خالد وطلابه اون لاين
khaledonline

خالد وطلابه اون لاين

خالد إسماعيل محمد

khaledonline
موقع موجه لطلابي بمدرسة برديس التجريبية للغات وأولياء أمورهم والمجتمع المحيط »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

141,352