تضطلع حواسنا كلها بمهمات اتصالية مع بيئتنا، في حين تعطي اللغة لعملية الاتصال بعدًا آخر، وتثريه ثراءً كبيرًا، وعلى الـخصوص أن "الاتـصال هــو النشـاط الأساسي للإنسان، ومعظم ما نقوم به في حياتنا اليومية إن هو إلا مظاهر مختلفة لما نعنيه "بالاتصال" الذي يحدد بدوره معالم الشخصية الإنسانية، من خلال ممارستها الاتصالية "


وقد مر الاتصال الإنساني بمراحل شهد خلالها تطورات بارزة، انتقلت معها العملية الاتصالية من الإشارات البسيطة إلى التكنولوجيات الجبارة، التي يقول بشأنها السيد مارشال ماك لوهان في مؤلفه understanding media المترجم إلى الفرنسية تحت عنوان: pour comprendre media إن تكنولوجيات الاتصال التي تشكل محيطنا، هي امتدادات لأجهزتنا العضوية، وجهازنا العصبي، وهي موجهة للرفع من قوة وسرعة تلك الأجهزة...

وتعتبر اللغة من أقدم الظواهر الاجتماعية، حيث تقوم بعملية الاتصال في المجتمع، من خلال التعبير عن الأفكار بواسطة الأصوات الكلامية المؤتلفة في كلمات.. وكما يرى "إدوارد سابير " فإن "اللغة وسيلة إنسانية خالصة، وغير غريزية إطلاقًا، لتوصيل الأفكار والانفعالات والرغبات عن طريق نظام من الرموز التي تصدر بطريقة إرادية "، بل إن "جيفوتز " يرى أن للغة ثلاث وظائف هي:

1- أنها وسيلة للتواصل.

2- أنها عون آلي للتفيكر.

3- أنها وسيلة للتسجيل وللرجوع إلى ما سجل

إن تطور اللغة هو الذي جعل الاتصال الإنساني قويًا على نحو خاص، وجعل الجنس البشري يتفوق على عالم الحيوان.. وهو تطور، من حيث الاتساع والعمق المحتملين اللذين أضفاهما على مضمون الاتصال، وكذلك بالنسبة إلى ما كفله من دقة وتفصيل في التعبير

والواقع أنه لا توجد حقًا حدود لتنوع وبراعة أساليب الاتصال التي استخدمها البشر، فقد تطورت أشكال الاتصال، ومحتويات وسائله المستخدمة، كما تنوعت باستمرار. وقد ظهرت لغات مختلفة، نتيجة لعدم وجود صلات بين شعوب المناطق المتباعدة.. ولكنها ظهرت بصفة خاصة لأن المجتمعات ذات التقاليد الثقافية والاقتصادية والأخلاقية المتمايزة، احتاجت إلى مجموعة خاصة من المفردات اللغوية، وإلى أنماط لغوية معينة

لكن اختلاف ألسنة الناس كما جاء في قول الله سبحانه وتعالى: {ومن آياته خلق السموات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم في ذلك لآيات للعالمين } (الروم:22)، يدل بقوة على أن الأمر مقرر في السماء لحكمة لا يعلمها إلا الله، في حين لعب السياق التاريخي لكل لغة دورًا مهمًا في بلورتها وتطورها.

وقد سعى الـجنس البشري عبر التاريخ إلى تـحسين القدرة على تلقي واستيعاب المعلومات عن البيئات المحيطة به، كما سعى في الوقت نفسه إلى زيادة سرعة ووضوح وتنوع أساليب أفراده في بث المعلومات

وتضفي الكتابة صفة الدوام على الكلمة المنطوقة.. وفي قديم الزمان تم تسجيل القوانين والقواعد الخاصة بطقوس الاحتفالات والشعائر -التي صممت لتعبر عن الجماعة، وتكفل استمراريتها- على ألواح من الصلصال، أو على أحجار منحوتة، أو في لفائف الرّقّ التي تعمر طويلاً، وقد كان لتطور الكتابة فضل في الحفاظ على أهم الرسائل المحملة بالرموز

وقد تستخدم اللغة للتعبير عن المعارف والأحداث بدقة ووضوح باعتبارها لغة معرفية، تستخدم في الرياضيات والعلوم الهندسية والتطبيقية، وقد تستخدم لإثارة العواطف والانفعالات في نفوس الناس، أو في نفس الشخص ذاته، عندما يعيش في عالم أحلام اليقظة، لا سيما في الأوقات التـي يكلم فيها نفسه أو دميته، وفي تلك الـحالة يلـجأ الشـخص إلـى الرموز، وهذه الرموز إما أن تكون معرفية تـؤدي إلـى "معلومات" أو غير معرفية تؤدي إلى "انفعالات غامضة وأوهام "

وفي ميدان الإعلام، فإن لغة الصحافة وفنونها، هي أساس لكل إنشاء وفن إعلامي آخر، والصورة شريكة الكلمة في أكثر الوسائل، وإن تنوعت بين ثابتة "الصحافة " ومتحركة وناطقة "سينما وتلفاز ".. ومتلقي الرسالة جمهور واسع، وإن اختلفت إلى حد ما نوعيته

وتكتسي اللغة المبثوثة عبر وسائل الإعلام الحديثة طابعًا خاصًا، يقتضي كما يقول ماكلوهان: لزوم التوافق بين طبيعة المرسلة الإعلامية والوسيلة الإعلامية، وهذا لا يعني البتة عدم وجود خصائص مشتركة بين المرسلات الإعلامية المختلفة.

 

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 261 مشاهدة
نشرت فى 20 ديسمبر 2011 بواسطة ketaba

ساحة النقاش

عدد زيارات الموقع

165,552