جهان حازم ع ف

موقع يحتوي على اعمال أدبية للاديبة المشهورة بجهان حازم ع ف، اهدي هذه الكتابات إلى زوجي وامي واولادي

كان عمرها أربع سنوات حين حملت أمها ثانية... حنان كانت تنتظر هذا المولود الذي يتحدث عنه الجميع. ... أحست في داخلها أنه الأمل المنتظر، الذي سيضفي قليلا من السعادة إلى حياة العائلة............ في الصباح تناديها أمها: أنهضي يا حنان لترافقي أباك إلى المسجد. هيا يا حنان.. فتفتح عينيها مع أول شعاع يدغدغ خديها الصغيرين، وتتناول فطورها الذي كان عبارة عن حبات التين المجفف مع كأس من حليب المعز، ثم تأخذ أدراجها لتلحق أباها، ولكن هناك شيء يعيقها...إنها نعجة صغيرة تترصد ها دائما، تخاف منها كثيرا جسمها كله يرتعش فتنادي بأعلى صوتها: باية تعالي فتأتي هذه الأخيرة وهي شقيقتها ، من أبيها حيث كان هذا الأخير متزوجا بخالتها من قبل ’وقد توفيت بعدما وهبت له بنتين هما تسعديت و باية، فكانت أم حنان أمهما الثانية التي منحتهما العطف والرعاية عوضا من أمهما المتوفاة.... تأتي باية بسرعة وتمسك بالنعجة لتمر حنان بسلام.....الخوف من النعجة ذاتها لم يكن سوى جزء صغير من الذي تعانيه الطفلة الصغيرة ، لم تكن تفهم حقيقة الحياة لأن عقلها لا يستطيع إستعاب كل تلك المشاكل ، منها الشجار المتواصل بين أمها وأبيها الذي غالبا ما ينتهي بضرب الأم.... صمت أبيها الدائم كان أيضا يؤرقها ويوحي لها بالغموض، لماذا لا يضحك هل أصبح الضحك ضريبة لا نستطيع دفعها؟ أم أصبح من المستحيلات اللاتي يصعب علينا الوصول إليها..... مازالت تتذكر مدرسة القرآن، حيث كانت تتسلى مع الصغار تحفظ بعض السور القرآنية وتعيد كتابتها في تلك اللوحة المصنوعة من الحجر وقلم غريب الأطوار كغرابة مزاج أبيها...حين ينتهي الدرس ، تعود إلى البيت مسرعة كالبرق الذي يلقي ضوءه على القرية تجري عبر الحقول، فتحمر خدودها فتصبح كالوردة حين تتفتح عند بزوغ نسيم الصباح... في طريقها تمر على امرأتين جالستين على حافة إحدى المزارع ، تنظران إليها نظرة تعجب؟ فتضحكان بشدة ثم تقول إحداهما:من هذه البندورة الحمراء هاهاها؟ فتبتسم حنان ، وتكمل طريقها إلى البيت غير مبالية..... في الريف في ذلك الوقت أي قبل الثورة الجزائرية بقليل ، كانت البساطة تطغى على كل شيء ، ليس هناك ما يوحي على الترف والبذخ بل كل شيء كان لا يستحق العناء.... تجلس الطفلة في ركن من أركان البيت صامتة طول اليوم، أحيانا تفكر في شيء ما هي نفسها لا تدري ما هو...ربما تريد لعبة صغيرة فهي لا تملك واحدة ....تحلم أن تلعب مع الأطفال ولكن أباها لا يسمح لها بالخروج من البيت ولا حتى اللعب مع أبناء الجيران فهي كانت سجينة صغيرة دون ذنب.. أيعقل أن يصبح السجن عنوانا لطفلة صغيرة، تريد أن تتفتح كالزهرة بهدوء حتى تكبر وتصبح قمة في الجمال؟ حنان تعالي تناولي عشاءك، واذهبي إلى النوم فترد بصوت منخفض حاضر أمي جاء اليوم الموعود الذي أنجبت فيه الأم وليدها ، لقد كان ولدا جميلا يبهج العين ويغرس الفرحة في القلب، لقد سمي إسماعيل ....... كانت العائلة في سعادة كبيرة وكأن أبواب السماء فتحت والأرض أزهرت لؤلؤا و مرجانا.. لم تسلم حنان من تلك الفرحة التي طغت على الكل، فكان وجهها مشرقا كشمس يوم الربيع الجميل... تمكث تنظر إلى وجه أخيها وقتا طويلا ، تلاحظ كل تحركاته ، حين يكون يقظا وحين ينام أيضا، تتمنى أن يكبر بسرعة البرق حتى يستطيع أن يلعب معها.... فهي تحس بالوحدة رغم وجود شقيقتيها باية و تسعديت ...فهاتين الأخيرتين تفضلان الجلوس مع بعضهما بعيدا عنها ولا يولينها أي اهتمام، ربما كانت الغيرة التي تفرق الأحباء والأصدقاء، وحتى الأشقاء.......ولكن لم يمنع ذلك من أن يتخلل تلك الغيرة وذلك الجفاء مشاعر أجمل ما يمكن قوله أنها المحبة والعطف على الطفلة الصغيرة التي لا حول ولا قوة لها.... قررت ، تسعديت في يوم من الأيام أن تخيط دمية من القماش لكي تلعب بها حنان، هذه الدمية البسيطة كانت تساوي الكثير لها وكأنها جاءت من عالم آخر...... تلعب بها حنان وتجوب بها أرجاء البيت وعندما تنام تضعها بجانبها، لقد أصبحت جزءا منها ولا تستطيع فراقها...ولكن كالمعتاد هناك ما سيعكر هذه السعادة العابرة التي تشبه السحابة عندما تشعرك بقدوم المطر ثم تهبك السماء زخات قليلة منها فتنجلي السحابة ويذهب المطر دون أن ترتوي الأرض... في يوم من الأيام استيقظت الطفلة في الصباح فلم تجد دميتها بجانبها ،فأخذت تبحث عنها في كل مكان حتى فقدت الأمل في إيجادها ، استسلمت وحزنت كثيرا ... سألتها تسعديت :"أين دميتك يا حنان " فلم تجبها هذه الأخيرة إلا بإشارة بيديها معبرة أنّها لا تدري ..بمرور الوقت كبر إسماعيل قليلا ، وكانت حنان منشغلة به كثيرا ، تلعب وتضحك معه ربما أرادت أن تنسي نفسها فقدان دميتها العزيزة لم تكن تصدق أنّها فقدتها، فكلّ يوم تبحث عنها في البستان وبجوار المنزل. وفي يوم من الأيام بينما كانت ترعى في المزارع مع شقيقتها باية ، رأت على إحدى الأشجار شيئا مربوطا وكأنه قماش فلما اقتربت قليلا، لم تصدق عينيها إنها دميتها الحبيبة فلقد ربط بها أبوها الشجرة .بين الصدمة والخوف كان شعورها يتأرجح فهي لا تستطيع إن تقول لأبيها: " إنها دميتي أعطني إياها " فهي تخاف منه كثيرا ...هكذا غادرت في صمت وهي تنظر إليها عن كثب . .. عندما نرى تلك الحياة البسيطة نشعر وكأننا في حكايات سطرها تاريخ مليء بالمفاجآت، تلك الطبيعة الخلابة التي تنعكس فيها الشمس على الحقول الخضراء فتعطي منظرا رومانسيا رائعا.,من جهة أخرى كان الاستيقاظ بالنسبة للعائلة باكرا مع صياح الديك وزقزقة العصافير، الأم تخبز الكسرة وتحضر القهوة، في ركن آخر من البيت يوجد برميل كبير مصنوع من الطين مليء بالتين المجفف، هذا الطعام البسيط يعجب كثيرا حنان...وربما كان احلي من أشهى الأطعمة. كانت حياتهم ممزوجة برونق الطبيعة وقساوة الظروف مع ما يكتنفها من بعض الأحداث الحزينة التي تأتي من حين لآخر كطوفان لا يترك شيئا من الفرح في القلوب إلا اقتلعه، ليزرع مكانه أحزانا وأشجانا تنقش في الذاكرة إلى آخر العمر... ذلك الصباح لم يكن مثل غيره، وحتى السماء اكتست لون الحزن بدورها... استيقظت الطفلة على وقع صوت بكاء أخيها الحبيب إسماعيل ...بكاؤه كان كخنجر، يخدش قلبها الصغير ، هرعت تجري لترى ما به فوجدت أمّها قد حملته على حجرها وضمّته إلى صدرها لعلّه يهدأ.... سألت أمّها" ما به يا أمي" فردّت عليها بصوت مهزوم : "إنّه مريض "... أخذ الطفل يصيح ويصيح، المغص في بطنه كان حادا ....أبوها لم يكن يعلم ماذا يفعل، فالطبيب بعيد عن القرية، فهل يكفيه الوقت لإحضاره.ولكن لم يكن بوسعه سوى فعل ذلك ، فلبس برنوسه بسرعة وقال : "سوف أذهب " ولكن فجأة قالت الأم :"لا داعي للطبيب لقد فات الأوان ".. فنظر الأب إلى إبنه نظرة حزن عميق وكأنّها نظرة وداع أخير ..... كان الطفل كقطعة حلوى تذوب حين تبلل بالماء ، أخذت عيناه تنطفئان كما ينطفئ نور الشمعة بهدوء ، وجهه شاحب يميل إلى الصفرة تارة وإلى الزرقة تارة أخرى ...ثم فاضت روحه بسلام ، كأنّها نسمة ريح خريفي هادئ.....فما كان للأم إلاّ أن غطت وجهه الجميل وأجهشت بالبكاء...كلّ هذا وحنان تنظر بحزن شديد وعيناها تمتلئان بالدموع ، دون أن تسيل على خديها الصغيرين ، لأنّ ذلك يعتبر بالنسبة إليها استسلام للواقع المرّ ....فهي لم تصدق أنّ إسماعيل مات ، لم تصدق أنّ ذلك الطفل الجميل الذي لطالما انتظرته ليكبر ويلعب معها مضى وذهب، لقد كان بالنسبة إليها الأمل الذي سيجعل حياتها أكثر سعادة ، أكثر حرية وأكثر عذوبة .... لقد أصبح الأمل عندها، كالمفتاح الذي وقع في فمّ الأسد عليك أن تجازف كأبطال ألف ليلة وليلة لتناله، فإما أن تعيش، وإما أن تكون جثّة هامدة بعد أ ن تصبح وجبة دسمة لذلك الأسد.... صاحت بأعلى صوتها:"لا إسماعيل لم يمت إنّه حي أنتم تكذبون" فسقطت على الأرض فحملتها أمها وضمّتها إلى صدرها وقالت: "تماسكي يا بنيتي إنّه قدر الله ولا يجب علينا أن نقنط، قولي إنّا للّه وإنّا إليه راجعون، أخوك في الجنّة ينتظرنا فلا تحزني".. تلفظت الأّم تلك الكلمات وكأنّها أرادت مواساة نفسها أوّلا قبل ابنتها فهي لم تدري من التي تحتاج إلى ذلك هي أم الطفلة الصغيرة ..فبقيت تلك المشاهد وشما في ذاكرة حنان إلى أن كبرت........ تأليف: جهان حازم جزء من رواية

المصدر: تاليف الكاتبة جهان حازم ع ف
jihanefa

اتق الله في كل ما تخطه اناملك ،لانك ستحاسب يوم القيامة على كل صغيرة وكبيرة فاجعل قلمك هادفا ،نافعا يسمو بك غلى الرقي والإزدهار....

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 29 مشاهدة
نشرت فى 19 سبتمبر 2018 بواسطة jihanefa

جهان حازم ع ف

jihanefa
لقد تغيير اسم الموقع من jihaneafالى جهان حازم ع ف موقع يحتوي على اعمال ادبية من اشعار وخواطر لصاحبة القلم الجريح...جهان حازم اسم الشهرة والاسم . اهدي اعمالي الادبية إلى. امي وزوجي وابنائى. ربنا لا تزغ قلوبنا بعد اذ هديتنا واعفو عنا واغفر لنا وارحمنا. »

أقسام الموقع

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

8,254