المعرفة من منظور فلسفى

بقلم : احمد حمدى حسن حافظ 

فى ماهية المعرفة The Knowledge  ؟

المعرفة اسم يدل على كل ما هو يمكن "ان يعرف " ، أو كل ما هو يمكن ان يشكل موضوع للمعرفة ، وفعل يعرف (عرف يعرف اعرف سيعرف عارف معروف ) يدل على عملية يتم بمقتضاها تفعيل الادراك ( الذى أصبح علما "معلومات " ) فى الممارسة الواقعية .فالبيانات التى يتم معالجتها بالادراك و التمييز تسمى معلومات فاذا تم تفعيلها فى الممارسة سميت معرفة .(1)

فالمعانى اللغوية للكلمة" يعرف "  :   

 1 – امتلاك قدرة Competence  ( قدرة تنافسية )،

والعارف هو مدبر الامر والقائم بسياسته ؛ كما يقول المصباح المنير ،كعارف العزف او عارف اللغة او عارف القيادة ..إلخ ، و المعرفة من هذه الناحية مهارة تعتمد على ممارسة وتدريب وفعل عملى وهو لا يكون الا بعد دراية والمام بالقواعد النظرية (المام واطلاع Acquaintance  ) التى تمكن من القدرة او المهارة . فادراك المعلومات والحقائق Recognize of information  بشكل مجرد علم وتميز عقلى يؤدى للمعرفة .

ومن المعانى الاخرى لهذه الكلمة

1 – البيان : كما ورد فى سورة التحريم الاية 3 ( وإذا أسر النبى الى بعض أزواجه حديثا فلما نبأت به وأظهره الله عليه عرف بعضه وأعرض عن بعض )

2 – المجازاة : فى (لأعرفن لك ما صنعت والعرفان بالمعروف )

3 – الصبر : كما فى قول قيس بن ذريحفيا قلب صبرا واعترافا لما ترى ويا حبها قع بالذى انت واقع

4 – الاقرار : كما ورد فى سورة التوبة اية 102 (وءاخرون اعترفوا بذنوبهم )

5 – التطيب : كما ورد فى سورة محمد 6 ( ويدخلهم الجنة عرفها لهم )

6 – ادراك الشئ بتفكر وتدبر : كما ورد فى سورة المائدة 83 ((ترى اعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق ) وسورة النحل 83 ( يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها ) (2).

واذا كانت المعرفة هى " التحقق العملى للمعلومة فى الواقع المعاش "فان الفلاسفة الاوائل تحدثوا عنها باعتبارها ما هو يمكن ان يكون موضوعا للتعرف عليه ايا كان واسموا هذا الموضوع الحقيقة Truth . وتسائلوا بخصوصها 3 اسئلة فلسفية اصيلة ؟ هل هناك امكانية انسانية لبلوغ الحقيقة ومعرفتها ؟ وما هى حدود تلك الامكانية ؟ وما هى المصادر التى يمكن ان نستقى منها الحقيقة ؟ وتعددت الاجابات بتعدد المذاهب الفلسفية .

حدود المعرفة : فانقسم الموقف من امكانية بلوغ الحقيقة الى تياران خاضا صراعهم عبر تاريخ الفلسفة الممتد

التيار الاول :تيار انكر امكانية الانسان لبلوغ الحقيقة ، واكد عجزه عن ذلك وهو تيار ابتدأ عند الشكاك اليونان والسوفسطائيون الذين اكدوا على برجماتية الحقيقة (3) كأسلوب انسانى للتعامل مع الواقع – اثبت نجاحة – ونسبيتها من حيث كونها ليست مكنون مطلق واحد وصحيح فى كل الاحيان ، ومن هنا اخرجوا لنا نسبية الحقائق ، ووصل الموقف المنكر لوجود حقيقة يمكن ان تعرف الى الفلسفة الارادية التى قالت بوجود حقيقة يمكن ان تصنع تبعا لارادتنا ورغباتنا فتجلت وجودية ونيتشويه واصبحت البرجماتية الجديدة عند رورتى ومبادئها عن فوكو ان الحقيقة صناعة اجتماعية يصنعها جسم المجتمع ليضمن قدرته على التواصل والتعامل الاداتى الناجح لبلوغ مرتبة الجودة فى الاداء الانسانى . (4)

التيار الثانى  ومصادر المعرفة :

اما التيار الثانى فهو التيار الذى اكد امكانية بلوغ الانسان للحقيقة وامكانية المعرفة وتجاوز الشك مذهبيا .وتحدث التيار الثانى عن مصادر للمعرفة لكل مصدر حدوده التى يقف عندها فالعقل كان اهم مصدر معتمد للحقيقة فى مقابل اى مصدر اخر كما بدا عند كانط (5) والعقليون واتباعه من المثاليون الذين اكدوا ان الحقيقة فى الاذهان لا فى الاعيان وان الحقيقة داخل مقولات العقل الانسانى وهى الحقيقة المطلقة ، اما الواقعيون والتجريبيون فكان موقفهم مختلف اذ قالوا بالحس والتجربة هما مصادر المعرفة فالاعيان تاتى قبل الاذهان ونشأ صراع طويل بين من يقول بالاعيان ومن يقول بالاذهان الا ان هناك من قال بالحدس والذوق والبصيرة وانبثاقة الحياة كمصادر للمعرفة وهو التيار الروحى الصوفى الفنى الذى عمق الذوق والفن والشعور ليخلق منه معرفة ومصدر من مصادر المعرفة

 [1] بين التجريبيين الذى غالبا ما يكونوا انجليز والعقليين الذين غالبا ما يكونوا المان والحدسيين الروحانيين الذى غالبا ما يكونوا فرنساوين ، يظهر من يتحدثون عن مصدر اخر للمعرفة وهو الوحى وهم المتدينون – وغالبا من الاصوليون – فان هناك من يقول كل معرفتنا فى اذهاننا لا صلة لها الا بادراكتنا وليست هى الواقع فالواقع فى الاذهان فقط وهم المثاليون اما الواقعيون فيقولون كل ما وصلنا فى عقولنا من معرفة فان اصلها العالم وليس محض تكوينات ذهنية صرفة وتسهيلات رياضية وخدع ادراكية وهم الأضعف شأنا فى عالم الفلسفة اليومفكل فلاسفة المنهج العلمى تقريبا انتقلوا من التحقق كالية لاثبات صحة النظرية العلمية للتكذيب [2] كآلية لتطوير النظرية العلمية الذى هى بناء ما يسهل تعاملنا مع الواقع وليس هو الواقع اما منكرى الحقيقة فهم الاعلى صوتا الان هى محض صناعة مجتمعية اخترعت لتسهيل حياتنا هى بيئة يعاد انتاجها من جديد ولوجوس يتواصل به الناس لا اساس له من الصحة ، نسيت ان اخبركم ان الانسان لا يولد صفحة بيضاء تنقش عليها الادراكات كما راى ذلك الواقعيون بل يولد مزود بكل الادوات التى تصنع المخيال الذى يصيغ العالم ويتمثله فى عقول صغيرة تظن انها تدرك حقيقة العالم وهو ما يؤكده كارل بوبر عندما قال لاحظ فسألوه نلاحظ ماذا قال فرضياتكم وتوقعاتكم هى التى تقود ملاحظاتكم وليسوا انتم صفحة بيضاء .[3]

خاتمة

ايا كان وعلى اية حال فان الحقيقة لا وجود لها الا فى اذهان الفلاسفة وكرهان خاسر لا يفيد اللهم الا فى صناعة المزيد من المعرفة والباسها بالادوات النظرية من المفاهيم المصاغة والبنى النسقية المصاغة التى تسهل على العامة رحلة التعامل الايجابى مع الواقع التعامل الفعال الناجح الذى اثبت انتشاره ونفعيته . ولا حديث عن تطابق مرآوى كما يحدثنا رورتى بين ما فى الاذهان وما فى الاعيان بعد هدم نظرية الحقيقة وابراز التمثل كخدعة عند ديلوز .عادت ما بعد الفلسفة عند رورتى تتحدث لماذا ظن الناس فى ثقافة معينة هذا ؟ وماذا كسبوا ؟ وماذا خسروا ؟ كحقائق تروى للتسلية ولصياغة مسميات اكاديمية جديدة ان كان علم النفس قد خرج عن هذا كله يحدثنا عن ان المعرفة لا تشكل فى سياق الوعى الانسانى الا القليل وان تقنيات العيش ليس العقل ولا الحواس بل الذكاءات المتعددة والوجدان الثرى بالتجربة الحية المعاشة اعود لاقول لا ادرى ماذا اعرف وماذا يعرف الا ان نبرر فرضياتنا ونفرضها كحقائق جديدة ونصنع خطابات ثقافية وتحقق لا تتحقق وتريد لا تتعقل وتلعب وترحل وتلف وتدورعلى اية حال لم يتبقى للفلسفة الا الاكسيولوجيا ولم يتبقى للعلم الا التكنولوجيا .


 

المصدر: (1) اعتمدنا فى صياغة هذا التعريف للمعرفة على أحمد حمدى حسن :لعبة الفلسفة منشور اليكترونيا على www.kotobarabia.com ، 2005 ، ص 22 (2) اعتمدنا فى تحليل المعانى اللغوية للمعرفة على صلاح اسماعيل : نظرية المعرفة المعاصرة ، الدار المصرية السعودية ، القاهرة ، 2005 ، من ص 22 الى 25 (3) محمد عزيز نظمى سالم : مناهج تفسير المعرفة ، مؤسسة شباب الجامعة ، 1997 ، ص 11 . (4) يمكن الرجوع الى عادل السكرى : نظرية المعرفة من سماء الفلسفة الى ارض المدرسة ، الدار المصرية اللبنانية ، القاهرة ،1999 ، ص 71 "لان المعرفة بطبيعتها اجتماعية وهى فى الاساس بناء اجتماعى ونتاج لنشاط الناس الاجتماعى " (5) محمد عزيز نظمى سالم : مناهج تفسير المعرفة ، مرجع سابق ، ص 35 .[1] ومنهم برجسون انظر المرجع المرجع نفسه ص 30 [2] يمكن الرجوع لمنهج القابلية للتكذيب عند كارل بوبر محمد محمد قاسم : كارل بوبر نظرية المعرفة فى ضوء المنهج العلمى ، دار المعرفة الجامعية ، الاسكندرية 1995 . [3] المرجع نفسه
  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 45 مشاهدة

مكتبة الفيلسوف الحر

freephilosopher
" الفلسفة فن صناعة المستقبل " دراسات - تدريب - نشر »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

109