تعلمنا في السيرة النبوية الاجابة على سؤال: هل كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه إذ هاجر جهارًا نهاراً متحديا قريش أشجع من النبي صلى الله عليه وسلم الذي هاجر سراً مستخفياً؟
الإجابة بالطبع لا.
 فرسول الله صلى الله عليه وسلم أشجع الناس بشهادة الذين حاربوا معه .
لكن لماذا إذاً هاجر سراً بينما هاجر عمر جهراً ؟
ولماذا لم يهاجرا بنفس الطريقة ؟
قال العلماء لقد وسع عمر أي أمكنه أو صح منه مالايسع النبي صلى الله عليه وسلم. لماذا وماالفرق؟
الفرق أن عمر كان فردا بينما النبي صلى الله عليه وسلم يُمَثِّل الدعوة والأمة لو أضير فقد أضيرت الدعوة ضررا بالغاً
والنبي صلى الله عليه وسلم كان مطلوباً بدرجة أشد بكثير ولو أنه جاهر كما جاهر عمر ماكانت قريش لتتركه كما تركت عمر
بل إنهم حين فكروا في دار النوة حذروا من إخراجه لئلا يجتمع عليه غيرهم ثم يعود اليهم فاتحاً .
 والنبي صلى الله عليه وسلم يُشرِّع لأمته
وفروق أخرى بين هجرة النبي صلى الله عليه وسلم وهجرة عمر تجعل كل موقف صحيحاً لصاحبه مناسباً له لكنه لايصلح للآخر ولايناسبه وليس بالضرورة أن يكون أحد الموقفين هو الصواب والآخر خطأ.
هذا فهم بديهي جدا تأكد في أكثر من موقف في السيرة النبوية كموقف أبي بصير مثلا ليؤكد على أنه يسع الفرد مالايسع الجماعة، وتَقِدر الجماعة على مالايقدر عليه الفرد، ويسع القائد مالايسع الجندي، ويسع الجندي أن يفعل مالايصح من القائد، ويُقبل من الجاهل ويعذرفيمالايُقبل من العالم ولو فعل العالم مافعله الجاهل لاستحق اللوم ولم يعذره أحد.
كما تعلمنا أن أبا بكر رضي الله عنه لم يأخذ برأي عمر في عزل خالد وكان ذلك صوابا منه لأنه اعتمد على تولية الرسول صلى الله عليه وسلم ولم تثبت لديه رؤية عمر أن خالد في سيفه رهق للمسلمين بينما عندما تولى عمر عزله لأنه مسؤل عن اجتهاده الذي ثبت عنده
وتعلمنا في الفقه  قاعدة يسع المرء مالا يسع غيره . ويلزم المرء ماقد لايلزم غيره وأن كل أنسان سيحاسب على اجتهاده هو وأن العبرة بمخالفة الحق اذا ظهر للانسان فيلزمه عند ئذ الالتزام بما وصل اليه اجتهاده. فالشيء قد يكون شبهة أي مشُتبها على انسان لايدري أحلال أم حرام  لجهله ؛ لكنه ليس شُبهة عند العالِم  وبالتالي يلزم المشتبه عليه مالايلزم العالم الذي أيقن من الحِل أو الحرمة دون اشتباه
كما تعلمنا في فقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن المنكر قد يشهده جماعة من الناس ورغم أنهم جميعا اشتركوا في رؤيته إلا أن حكمهم يختلف من واحدٍ لآخر بحسب كل منهم؛ فالقادر على التغيير يختلف عن غير القادر، والذي يصيبه ضرر جسيم لايتحمله يختلف عن الذي لايصيبه ضرر، ومَن يترتب على تغييره منكر أكبر يختلف عن الذي لايترتب على تغييره منكر وهكذا.
فتعلم اللغة العربية بالتفصيل لايلزم كل مسلم بينما لايجوز لمفسر القرآن أن يقصر في طلب علم اللغة لأن عدم إلمامه باللغة يضرتفسيره وكذلك المفتي الذي يفتي للناس هناك علوم لايجوز له تركها وكذلك كل صاحب مهنة أو كل من يتأهل لها فطالب الطب مطالب بتعلم كل مايؤهله لممارسة الطب ويحرم عليه الاهمال والتقصير و‘لا فلا يمارس الطب  بينما لايلزم غير الطبيب أن يتعلم الطب
بهذه البساطة يمكن التوافق بين المختلفين في مواقفهم إذا اتفقت الغايات واذا التزم الجميع الضوابط الشرعية لموقفه
ورغم ذلك يصر بعضنا على الزام الآخرين جميعا بموقفه وطريقته  رغم أن من البديهي أن الداعية  والاعلامي مثلا كل منهما يسعه مالايسع الآخر وكل منهما محكوم بضوابط وآليات وخطاب  تفرضه عليه طبيعة عمله وكذلك الحزب السياسي له خطابه الذي يختلف ولابد مع خطاب العمل الخيري  والدَّعوي
حضرت مرة حوارا بين  اثنين من الدعاة وقد غضب أحدهما وحمل على أخيه ـ لأنه  ساكت عن الحق في نظره ـ وكان ذا منصب ـ فرد عليه قال: أنا أقول الحق ولكن بطريقتي ولو التزمت طريقتك فسوف تخسر الدعوة  كثيراً وأنا في مكان لايسعني مايسعك فلا داعي أن تُلزمني طريقتك أنت بالتحديد.  وكان مُحقاً فقد كان ينجز في مكانه مالايستطيع الأول أن ينجزه بل مالاينجزه غيره ولو ترك هذا المكان فربما جاء من يفسد فساداً كبيراً.

 

يسع الانسان مالايسع غيره وكلٌ ميسر لما خُلق له أمر تدركه الفطرة ونحن نستعمله كثيراً في حياتنا ولكن رغم ذلك يصر كثيرٌ منا على جذب صاحبه الى طريقته هو والى خندقه وإلا فمن لم يوافقه فهو مخطيء إذ لا يوجد هناك في تفكيره إلا الخطأ أو الصواب
وفقنا الله جميعا الى الخير وتقبل منا

 

 

التحميلات المرفقة

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 31 مشاهدة

ساحة النقاش

على الدينارى

denary
موقع خاص بالدعوة الى الله على منهج أهل السنة والجماعة يشمل الدعوة والرسائل الإيمانية والأسرة المسلمة وحياة القلوب »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

98,146