- الإحباط واليأس كانا يخيمان على زمانه كما نحن في زماننا.. وهذا ما حملني على الاستطراد.
- لقد اخترت شخصيته لأبحث عنا نحن في ضوء سيرته.  
- لقد حاولت أن أكتب عن الشيخ الذي قهر اليأس الذي نعيشه نبذة قصيرة.. ولكن الحمد لله أنى لم أستطع.. لقد صنع أحداثا وتاريخا لا يمكن أن تقرأه دون أن تقرأ سيرته.. ولا يمكن أن نقرأ شخصية عمر مكرم دون أن نقرأ تاريخ الفترة التي عاشها.
- إن الاكتفاء ببعض صفاته كالمعتاد خسارة كبيرة.. والآن نستكمل مواقف شيخ أزهري قدم في سواد الليل شعاع أمل.. وترك فضول العلم وانشغل بما أوجبته الأحداث من العمل.
- لقد ظل الشيخ يحاول مجاهدة الاحتلال من بقعة لبقعة حتى وصل إلى يافا.. لكن بونابرت وصل إليها بجيشه وأعاد المصريين من هناك.. ومنهم نقيب الأشراف السيد عمر مكرم الذي عاد ليجد الاحتلال.. قد أحكم سيطرته على كل شبر وانضوى تحته كثيرون حتى من العلماء لكنه اعتزل ولم يشارك في شيء من الحكم.
مسؤولية تخرج من الاعتزال
- لم يمض على عودة السيد عمر مكرم من يافا  إلا مدة أسبوع واحد حتى كانت حملة الخلافة  تنزل بشواطئ أبى قير بقرب الإسكندرية لإخراج الفرنسيين.. ولكن  بونابرت هزمهم هزيمة منكرة.. ثم سافر إلى فرنسا.. وأمر أن يكون قائد الحملة بعده (كليبر).
- وأقبل جيش الخلافة في هذه الأثناء نحو القاهرة للاستيلاء عليها لكنه انهزم أمام الفرنسيين هزيمة شديدة.
- تسربت أخبار هذه الحوادث إلى القاهرة، وعاد جماعة من الترك المنهزمين إلى العاصمة، فهاج الناس واضطربوا واشتعل الغضب، واتجهت أنظارهم إلى زعماء يثقون، فكان السيد عمر مكرم كبير هؤلاء الزعماء وأعظمهم في أعين  الناس، فنادوه وهتفوا باسمه، فسارع إلى الخروج من عزلته.
- ولم يكن إلا أن صاح صيحته ، ورددها جماعه من الزعماء أمثال السيد أحمد المحروقي، حتى هبت الثورة المصرية الكبرى التي دامت تضطرب في  القاهرة سبعة وثلاثون يوماً.
الشيخ هو روح الثورة
- وكان روح الثورة وقلبها النابض هو السيد عمر مكرم ، لا تفتر له حركة ولا يخفت له صوت ، فبينا نسمع صوته عند باب النصر يدعوا الناس للخروج والجهاد،إذ بنا نراه عند المتاريس التي أقامها الناس وتحصنوا بها جهة الأزبكية.. فإذا به يسمع صريخاً من أطراف المدينة، فلا يكاد يسمع هذا النبأ حتى ينفر إلى مكان الخوف والخطر ، فيخوض الغمار مع الخائضين ويتعرض لما يتعرض له الناس من الأهوال والمخاوف.
مفارقة الديار
- ولم تبق سائر أنحاء القاهرة على المقاومة بعد ذلك طويلا فإنها سلمت جهة بعد جهة ، واستولى الفرنسيون على متراس منها بعد متراس.
- فأمهلوا بقية من بالقاهرة بالعثمانيين ثلاثة أيام ليتجهزوا للخروج ، ،وأبيح لمن أراد الخروج معهم من أهل مصر أن يخرج.
- وكان السيد عمر مكرم والسيد أحمد المحروقى فيمن خرج من أهل مصر مع الجيش العثماني فنهب الفرنسيون بيوتهم.
عودة مكرمة
- ثم عندما تم الصلح مع القائد الفرنسي  بييار كان السيد عمر من أول من عاد إلى القاهرة و خرج الناس للقائه والترحيب به
- وأصبح السيد عمر بعد رجوعه مع الجيش المنتصر رجل مصر وزعيمها ، واجتمعت فيه الزعامة والجهاد والتضحية.
وماذا بعد جلاء الفرنسيين؟
- كانت السنوات التي تلت خروج الفرنسيين من مصر سنوات اضطراب وشدة.
- كان السيد عمر مكرم في هذه السنوات معتكف بعيدا عن تلك المنافسات الطاحنة على الحكم  فلا يسمع ذكره إلا في مواقف قليلة بعيدة عن السياسة.
- ولكن من جديد.. لا تتركه الرحمة ولا العلم ولا المسؤولية الدينية والأخلاقية لينعم بعزلته بعيدا عن دوامات الحياة العامة فقد فرض خور شيد ضرائب باهظة على صغار الصناع والتجار.. ثم أمر أهل القاهرة أن يدفعوا الضرائب مقدما عن سنة فثقل ذلك على الناس وشق عليهم جداً.
- كما أحس خور شيد تباطؤ الجنود في قتال أمراء المماليك الذين كانت الحرب معهم دائرة فلجأ إلى زعماء الشعب.. وطلب منهم أن ينهضوا معه  كما نهضوا لقتال الفرنسيين فلم يتردد الزعماء في رفضهم. 
- ثم توالت الأزمات والشدائد على المصريين عامة وعلى أهل القاهرة خاصة حتى ضجوا وتركوا أعمالهم.. واجتمعوا بالأزهر ونادوا بسقوط (خورشيد) باشا.. وكان السيد عمر عند ذلك على رأس الأعيان والعلماء يجتمع بهم كل يوم ليروا للناس مخرجا مما هم فيه من الشدة.
زعيم الشعب يولى محمد على باشا
- واقترح السيد عمر مكرم على المجتمعين تولية محمد على فقد كان الناس يسمعون ويتهامسون عن تعاطفه مع أهل مصر.. ورفضه لاستبداد خورشيد باشا فساروا جميعا في ركب حافل إلى بيت محمد على بالأزبكية.. وعرضوا عليه فتردد أولا ثم نزل على رأيهم.
مناظرة الشيخ لمبعوث خورشيد باشا
- تحصن خور شيد في القلعة مع بعض جيشه واستعد للدفاع مصرا على المقاومة بالقوة إلا إذا أتاه أمر من السلطان العثماني ثم أرسل جماعة كان رئيسهم  (عمر بك) أحد أتباعه من الأرنؤود وذهب للثائرين وكان السيد عمر مكرم على رأسهم، فسأل عمر بيك قائلاً: ( كيف تثورون على من  ولاه السلطان عليكم وقد قال الله تعالى : "يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم").
- فأجابه السيد عمر: " ألا فاعلم أن أولى الأمر هم العلماء وحملة الشريعة والسلطان العادل ، وهذا الحاكم الذي أرسلكم ما هو إلا رجل ظالم خارج على قانون البلاد وشريعتها ، فلقد كان لأهل مصر دائما الحق في أن يعزلوا الوالي إذا أساء ولم يرض الناس عنه.. بل إن السلطان أو الخليفة نفسه إذا سار في الناس سيرة الجور والظلم كان لهم عزله وخلعه".
- " فقال عمر بيك : "وكيف يجوز لكم حصارنا ومعاملتنا معاملة الخوارج الكفرة؟"
- فقال السيد عمر مكرم: "إننا نقاتلكم لأنكم عصاه قد خرجتم عن الحق.. وثرتم على القانون".
الشيخ الأزهري هو القائد الأعلى
- واستمر الحصار بعد ذلك عل أيدي أهل مصر وحدهم وأصبح السيد عمر مكرم القائد الأعلى الأوحد فكانت الأوامر تلقى باسمه ويمر المنادى في المدينة كل يوم يذيع في الناس ما ينبغي لهم أن يقوموا به وما يجب عليهم أن يتبعوه.
- بادئا بقوله : "حسبما رسم السيد عمر أفندي والعلماء لجميع الرعايا".
- وما كان أحد يظن هذا الشعب الأعزل المسالم يستطيع أن يصمد لولا ما بثه فيه زعيمه القادر من الحماسة وما نفثه فيه من قوة الإيمان وفى  سنة 1805 أرسل السلطان فرمانا يأمر خور شيد باشا بالتسليم ويقر ما رآه أهل مصر
- وهكذا جعلته المواقف قلب الشعب ونبضه ولكن كشأن العظماء تتقلب بهم الأيام.. لذا فنترك مجالا واسعاً في الحلقة القادمة عن الشيخ.. وتقلبات الأيام.

 

المصدر: موقع الجماعة الاسلامية
  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 152 مشاهدة
نشرت فى 22 يناير 2014 بواسطة denary

ساحة النقاش

على الدينارى

denary
موقع خاص بالدعوة الى الله على منهج أهل السنة والجماعة يشمل الدعوة والرسائل الإيمانية والأسرة المسلمة وحياة القلوب »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

109,198