كان والدي رحمه الله لايجيد القراءة والكتابة لكنه كان صاحب نظرات تربوية بعيدة تأثرت بها كثيرا اسال الله ان يجعلها في ميزان حسناته

ومن هذه الأمور التي تعلمتها منه:

ـ الاستفادة من الفرص التربوية فقد كان رحمه الله اذا جاءت فرصة وانفرد بي خصني ببعض وصاياه التي مازلت احفظها لأن لها خصوصية وميزة تجعلني لاأنساها أبدا وكان رحمه اله يسعى الى توفير هذا القرب والصحبة وخلالها يمكن أن يلقي لي مايريد أن يقوله

ـ كان رحمه الله يحب أن يصحبنا أو احدنا في أعماله وكان ذلك يقربنا منه ويرينا تصرفاه في المواقف المختلفة ويجعلنا نخالط  الرجال وكان يحب أن نجلس معه في مجالسه مع الأقارب والأصدقاء وقد أفدنا ذلك كثيرا في خبرتنا بالحياة

 

ـ كان متأنيا لايستعجل بل ينتظر الظرف المناسب الذي يجعل التوجيه التربوي يأخذ طبيعته كتوجيه وليس مشكلة فاذكر أنني رجعت البيت فوجدت اصدقاءه عنده  يتحدثون عن الأوضاع في مصر وفلسطين وبعد انصرافهم رددت له ما أحفظه في المدرسة: "إن العرب لو اتحدوا سيلقون باسرائيل في البحر" فقال : نعم ياسيدي كما اتحدت انت وزملاءك وضربتم الولد ابن فلان !

فكانت مفاجأة صعبة ارتبكت بعدها ثم قلت :لكن هذا لأنه ضرب ابن فلان المسكين فانتظرناه وضربناه.

 فلم يعاقبني بغير هذه المفجأة الصادمة

ـ تعلمت منه أن الأب والأم يتشاوران ويتفقان فيما بينهما في امور تربية الأبناء وهذا أمر لحظته قي صغري حيث كنت اشكو لأمي الشكوى مثل أن ابي نهرني أمام الناس مثلا وأنا لااحب أن ينهرني أحد هكذا .وبعدها تطمئني بأن والدي لن يعود الى هذه المعاملة التي شكوت منها ففهمت أنها تبلغه بما يحدث في غيابه فيتشاوران ثم يتفقان من ورائنا على ما يخص نربيتنا وقد كان رحمه الله يلتزم بما وعدت الأم رغم صعوبته على طبعه

ـ تعلمت أن الرجل يجب ان يكون بينه وبين النساء حاجز وهذا ما كان يلقنه لنا بصراحة وكان يتكامل في هذا المبدأ مع الوالدة رحمها الله فقد كانت اذا جاءتها نساء وبدأن يتحدثن امرتنا بالانصراف وقالت: "لاتقعدوا وسط النسوان" ، "لاتسمعوا كلام النسوان"  ولعل هذا ما قرب بيني وبين الشيوخ الذين علمونا عدم مخالطة النساء فقد كانوا يقولون نفس العبارات

ـ تعلمت منه أن التربية تستحق التضحية من اجلها فبعد أن هاجرنا وتركنا السويس ظل فترة يأتينا أجازة عشرة ايام كل شهر فشق ذلك علينا جدا فانتقل الى العمل بالوادي رغم الفارق الكبير جدا في المرتب  الذي منع زملاءه من الانتقال

ـ تعلمت من والدي أن العقوبة لها هدف اذا تحقق اكتفى بالقدر المناسب منها فهو لم يكن يضربنا  رحمه الله ولم يضربني الا مرتين ضربا رمزيا ورجع مرة من عمله وكنت ألعب بجوار البيت فلما مر علي قال: "تعال عاوزك"

. قلت: حاضر .

ولكني لم أتوقف عن اللعب .. كان اللعب لذيذا جدا وقلتُ سألحقُ به جريا قبل وصوله، فنظرت فاذا به واقف أمام الباب لم يدخل بل ينظر في اتجاهي قتركت اللعب وشعرت بالخطا فلما وصلت قال لي معتبا :ينفع كده؟

فطأطأت رأسي وانتظرت اي عقوبة لكنه اكتفي باحساسي بالخطأ رحمة الله عليه

هذا المبدأ الاكتفاء بالاشارة وعدم الزيادة عليها يبدو هو الذي ربانا على عدم الاحتياج للعقوبة والى الاكتفاء بالاشارة فيكفي ان نشعر بغضبه منا أو نلمح رغبته في عمل ما فنعمله

كما علمنا الاشارة فقط الى احتياجنا فأذكر انني دخلت عليه فقلت: ان المدرسة ستذهب رحلة يوم كذا . ولم أقل أني أريد الذهاب فاخذ يسال عن اجراءتها ثم قال: وأنت ستذهب ام لا؟

 فقلت :لا لن أذهب الرحلة.

 لكنه فهم بالطبع أنني لا اريد أن احمله مصاريف الرحلة فأعطاني اشتراك الرحلة وقال خذ اذهب الرحلة مع زملائك  فخرجت طائرا من الفرح .

ـ كان الوالد رحمه الله يجمع البيت كله أحيانا على عمل واحد مثل اعداده لطعام يحب أن يصنعه لناوكان قد اكتسب ذلك من حياته منفردا بعد الهجرة فيقسم علينا الأدوار وكل منا يقوم بعمل وفي النهاية نجلس جميعا ونأكل ونحن في منتهى السعادة من شيئين قربه منا وقربنا منه بالاضافة الى اشتراكنا في عمل واحد تقاسمنا ثمرته

 

علمنا والدي رحمه الله حب بعضنا وتفاسم ما معنا فقد كان ممنوعا أن يشتري أحدنا شيئا ويأكله وحده وكنت اشتري الحلاوة أو اللب فاحتفظ به وانا انظر اليه من السوق الى ان اصل البيت فلا آكل منه حتى أصل فأقسمه بيننا جميعا

كان هذا المبدأ موروثا تربويا يتواصى به المصريون جميعا

كانت هناك مباديء موحدة كنا نراها قي زملائنا مثل هذا المبدا ومثل أنه لاطعام الا على المائدة التي تجمع الجميع وكنا نسمع أن ابناء فلان اختلفوا بعد وفاة والدهم لأنه لم يكن يجمعهم في حياته على مائدة واحدة وطبق واحد .

تعلمت من والدي بره لأخيه المتوفى وزيارته لبنت أخيه وسفره من أجلهاوحبه لها واهتمامه بها رحمة الله عليه

ـ تعلمت من والدي رحمه الله حبه لاخوته  فقد كانت علاقته بهم قوية وكانوا من حبهم يتقاسمون ما معهم ويتحملون هموم بعض

ـ تعلمت من والدي الجدية والاهتمام والمسؤلية فقد كان يقول دائما:  سنفعل كذا وننتهي منه لأن وراءنا  بعده العمل الفلاني . فدائما نشعر أن وراءنا عمل مطلوب وكنا حتى يوم العيد ننتهي من العيد على الظهر لأن وراءنا سقي الزرع فنذهب الى الزرع في يوم العيد.

وكان والدي رحمه الله رغم قراءته بصعوبة  يشتري الجرايد أحيانا ويقرأها  ويعلق أحيانا على سياسات الحكومة ولعل هذا ما علمنا الاهتمام بالشأن العام لكنه بدأ يقلق علينا عندما بدأنا نتحدث في السياسة

ـ وكان رحمه الله يهتم بتعليمنا جدا ويتابع أحوالنا في المدرسة

فقد تعلمت منه  أن التعليم سلاح وكان رحمه الله يكلمنا كثيرا عن متاعبه نتيجة عدم تعلمه وعدم توفر الفرصة في زمانه لتعليمه لكنه رغم ذلك كان يجتهد في تعلم القراءة والكتابة وكان جميل الخط رائعا فيما يكتبه وكان وارثا لجمال الخط من جدي رحمه الله

واكتفي والدي بتشجيعنا على الاهتمام بالتعليم وتبيين اهميته فلم يكن بحاجة الى أن يأمرنا بالمذاكرة وانما يكرر ان من يذاكر فلنفسه ويجلس معنا ونحن نذاكر وقد يشاركنا في حل بعض المسائل

وكان رحمه الله يعطيني بين حين وآخر باقة ورد لأهديها لأستاذي في المدرسة رغم انه لايعرفه هذا في السويس أما في الوادي الجديد فقد كان رحمه الله صديقا لأستاذي وكان لهذه الصداقة أثر كبير حيث كنت أعرف ان ما أفعله في المدرسة والفصل واصل اليه

ـ تعلمت من والدي رحمه الله الصدقة وقد تكامل مع المدرسة في هذا الموضوع فقد رأيت صندوق التبرعات في صلاة الجمعة وأنا طفل وأعطاني مبلغا وضعته فيه بيدي فسألته وأجابني أن أهل الخير والحاج النعيمي يشترون بهذه التبرعات ملابس للفقراء .

ولما دخلت المدرسة رأيت نفس الصندوق يمرون به علينا كل يوم سبت فوجدتني أعرفه وأخبرته متعجبا نفس الصندوق في المسجد والمدرسة ؟! وكان يعطيني ما أتبرع به رحمة الله  وأحسن اليه

انني عندما أخذت أتذكر ماتعلمته من والدي وجدت أن تصرفاتنا البسيطة التي قد لانلقي لها بالا نحن الآباء يلتقطها الأبناء وقد تلاقي استعدادا فطريا يجعلها كافية للتربية على مبدا عظيم او قد تظل كاشارة في ذهن الابن يتذكرها يوما ما في رحلة حياته الطويلة التي لاتخلو مما يذكره بهذا الموقف أو ذاك من مواقف الأب المربي

 

علمت رحمه الله حب الناس وحب الخير للناس فلم يكن يعادي أحدا كان سليم الصدر وكان يكره الغيبة بدرجة كبيرة جدا وينهر أي واحد منا يتكلم عن احد ويقول: لاتمسكوا سيرة الناس. وكان هذا المبدأ شائعا لاتمسكوا سيرة الناس وكان حازما في هذه النقطة فكنا نخشى من أحراجه لنا اذا تحدثنا بشيء يعتبره هو امساكا بسيرة الناس

شجعني والدي رحمه الله على حفظ القرآن وعلى الصلاة في المسجد وكان سعيدا جدا

حكى لي أقاربي عن والدي أنه كان احيانا يقف في محل لعمي فيأتي أحد ليشتري فيعطيه أكثر مما يستحق لأنه يعلم أن هذا لايكفيه ثم يدفع فرق الثمن من جيبه

رحم الله الوالد وأحسن اليه وقد أردت بالكتابة عنه أن أنشر بعض المباديء التربوية عبر هذا الأسلوب ولعل هذا الحديث ينفعه بدعوة مستجابة من قاريء و يجدد رحمة من الله به واكراما له انه سبحانه غني كريم رحيم حليم

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 10 مشاهدة
نشرت فى 23 يونيو 2019 بواسطة denary

ساحة النقاش

على الدينارى

denary
موقع خاص بالدعوة الى الله على منهج أهل السنة والجماعة يشمل الدعوة والرسائل الإيمانية والأسرة المسلمة وحياة القلوب »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

112,757