قال الله تعالى مثنيا على هذه الأمة : (وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا ....)(4)، أي جعلناكم أعدل الناس وأخيرهم .

قال الإمام الطبري بعد أن عرض لتفسير السلف للوسط بأنهم العدول ، قال : " وأنا أرى أن الوسط في هذا الموضع هو الوسط الذي بمعنى الجزء الذي هو بين طرفين ، مثل وسط الدار .

وأرى أن الله ــ تعالى ذكره ــ إنما وصفهم بأنهم وسط لتوسطهم في الدين ، فلا هم أهل غلو فيه ن غلو النصارى الذين غلوا بالترهب ، وقيلهم في عيسى ما قالوا فيه ، ولا هم أهل تقصير فيه ، تقصير اليهود الذين بدلوا كتاب الله ، وقتلوا أنبياءهم ، وكذبوا على ربهم ، وكفروا به ، ولكنهم أهل توسط واعتدال فيه ، فوصفهم الله بذلك ، إذ كان أحب الأمور إلى الله أوسطها.

وأما التأويل فإنه جاء بأن الوسط العدل ــ كما سبق ــ وذلك معنى الخيار ، لأن الخيار من الناس عدولهم "(5).

وقال الشيخ محمد رشيد رضا في تفسير الوسط : " قالوا إن الوسط هو العدل والخيار ، وذلك أن الزيادة على المطلوب في الأمر إفراط ، والنقص عنه تقصير وتفريط ، وكل من الإفراط والتفريط ميل عن الجادة القويمة ، فهو شر ومذموم ، فالخيار هو الوسط بين طرفي الأمر، أي المتوسط بينهما "(6).

ومن خلال هذا العرض يتبين لنا فهم واضح محدد لمعنى الوسطية المذكورة في صفة هذه الأمة وكونها أمة وسطا.

وهذا الفهم يتحدد في معنيين هما :

الأول : الخيرية والأفضلية.

الثاني : التوازن والعدل والقيام بالحق ، والبينية بين الإفراط والتفريط .

وكلا المعنيين داخل في الآخر، فإن الخيرية والأفضلية لم تتصف بها هذه الأمة إلا لكونها قائمة بالعدل والقسط والحق ، ولكونها وسطا بين الغالي والجافي.وكل من قام بالعدل والحق فهو الأولى بصفة الخيرية والأفضلية.

والوسطية والعدل والبينية تقتضي أن يكون هناك طرفان مذمومان يكتنفان الوسط والعدل .

أحدهما : ينزع إلى الغلو والإفراط .

والآخر : ينزع إلى التفريط والإضاعة والجفاء .

وفي هذا المعنى يقول ابن القيم : " وقال بعض السلف : ما أمر الله بأمر إلا وللشيطان فيه نزعتان : إما إلى تفريط ، وإما إلى مجاوزة ، وهي الإفراط ، ولا يبالي بأيهما ظفر : زيادة أو نقصان "(7).

 

الوسطية هي الاعتدال في كل أمور الحياة من تصورات ومناهج ومواقف ، وهي تعريف متواصل للصواب في التوجهات والاختيارات ، فالوسطية ليست مجرد موقف بين التشدد والانحلال بل هي منهج فكري وموقف أخلاقي وسلوكي ، كما ذكر القرآن :” وابتغ فيما ءاتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين ” حيث تشير تلك الآية إلى أهمية الوسطية وتحقيق التوازن في الحياة . ومرجع الوسطية إلى الشرع فما وافق الشرع فهو الوسط فالتشدد في محله وسطية والرفق في محله وسطا كذلك *1

تابع الموضوع كاملا في الملف بالمرفقات

 

التحميلات المرفقة

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 12 مشاهدة
نشرت فى 27 نوفمبر 2019 بواسطة biariqk

بيارق كويتية المقداد الجهراء

biariqk
بيارق كويتية برنامج وطني وفريق عمل كويتي يعمل على تعزيز مفهوم الهوية الكويتية والأمن الفكري لحماية شبابنا من متغيرات العصر خاصة التطرف ونبذ العنف والسعي نحو التنمية المستدامة لكويت 2035 م »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

3,853