الدعم الفني وضمان الجودة بادارة النزهة التعليمية

تقف الحضارة الإسلامية المعاصرة على مفترق طرق التسابق بين الحضارات المؤثرة فى مسارات العالم، ومستوي النهضة التى وصلت اليها الأمم فى مشارق الأرض ومغاربها.
وإذا كانت التكنولوجيا تتلخص فى القدرة على توظيف المعرفة، أى نتائجها فإن إستخدام الحضارة الغربية لها أظهرت تفوقها فى أختراعات البارود والأسلحة المدمرة وصناعات السفن، مما فتح شهيتها على إستعمار وإستغلال ثروات الأمم التى تخلفت عن ركب الصناعة والتصنيع والتقدم فى الإختراعات، ممالم يتح لها بدوره السيطرة على الأراضى وإستغلال ثرواتها فحسب بل بمحاولاتها المتتابعة بتغيير هويتها الثقافية والعقدية وتشكيل أنماط الحياة فيها بما يحقق له السيطرة الذهنية والمعرفية وتنساق الى هاوية التبعية السياسية والثقافية والمذهبية بقدر الإمكان.
وإذا كانت الحضارة أو الثقافة ذلك الكل المركب من المظاهر المادية والعمرانية والإنتاجية والمبتكرات الصناعية وكذلك العقائد والإبداعات الفكرية والفنية والجمالية وكل ما يتصل بالثقافة بصلة، فإن مستوى المنتوج من هذه الحضارة يحدده ما بذل فيها من جهود متراكمة عبر الزمن سواء على مستوى الإنتاج العملى أو الفكرى والأدبى.
وسواء كان المنتوج ماديا إقتصاديا أو فكريا إجتماعيا، فإن كلا النوعين من الفعل والعمل الإنسانى أو إبداعاته، إذا إستثنينا ثوابت العقائد الدينية المنزلة، توضح مؤشرات تفوق حضارة على أخرى فى مستوى إتقان العمل أو الفعل، ماديا كان أم فكريا.
إذاً فمؤشر الجودة فى العمل ودرجة الإتقان فيه هو سر إرتقاء مستوى حضارة عن غيرها أو أمة عن أخرى.

الإتقان قمة الجودة

إن القدرة على الإنتاج المتميز الخالى من العيوب والنقائص والأخطاء هى جودة العمل وقمة الجودة هو الإتقان بما يقرب من تمام وكمال الفعل بقدر الإمكان.
ومن ثم كان العمل الملازم للوجود الإجتماعى للإنسان فضلا عن أنه مسئولية وواجب، فإنه فى ذات الوقت حق من حقوق الإنسان، كحق الحياة.
وهذا الذى اقرته كافة الشرائع والأعراف والقوانين والمواثيق الدولية.
ويعتبر مفهوم العمل هو السلوك الذى تدور فى فلكه الحياة الإنسانية، على المستوى النفسى من ناحية والمستوى الإجتماعى من ناحية أخرى.
فبدونه لا تستقيم نفس الفرد، بل هو الوعاء الذى يتحقق فيه ذاته كإنسان، وبدونه تنتفى المعاملات فى المجتمع مما يؤدى الى فراغ هائل تتوقف به حياة الجماعة أو المجتمع عن الإستمرار.
وبالرغم من الألم الذى يصاحب الجهد فى العمل إلا أنه ألم مرغوب ومنشود إذ أن مردوده المادى والنفسى يحقق متعة لصاحبه تزيل آثار المعاناه من الألم المصاحب للعمل.
ويفيض العائد الإقتصادى عادة على العامل وأسرته وذويه ومجتمعه المحلى Community والمجتمع العام Society.
ويقاس تقدم الأمم بمعدّل العمالة فيها، وتأخرها بارتفاع نسب البطالة والتعطل عن العمل بين فئاته السكانية خاصة بين الشباب الذكور والإناث.

ثقافة الإتقان

ولا يكفى الإرتباط بين التعليم والعمل كمتغيرين أساسيين بل تكمن الدلالة الحقيقية فى نوعية التعليم وملاءمته لإحتياجات السوق والمجتمع ومستوى الجودة والإتقان فى العمل.
ويتوقف نجاح النظم الإجتماعية بقدرتها على إشباع إحتياجات فئات المجتمع التى وعدهم بالوفاء بها، فإذا لم يتحقق ذلك سعى البعض من هذه الفئات إلى بدائل لهذه النظم قد تكون مشروعة أو غير مشروعة.
كما يتوقف النجاح على نوعية المنتجات أو الخدمات التى يقدمها النظام الإجتماعى وإستيفائها لشروط الصلاحية للإستخدام، يبدو ذلك فى جيدا فى مستوى السلع المنتجة من حيث الجودة، وكذلك مستوى جودة الخدمات، كما فى الصحة والتعليم والنقل والمواصلات والإتصالات والإسكان.
ومن ثم فإن مطابقتها للمواصفات المقننة للمنتج أو الخدمة هو المعيار الذى يحقق رضاء الناس، وهو الذى يحقق بدوره الإستقرار والإستمرار للنظام الإجتماعى، إقتصاديا أو صحيا أو تربوياوتعليميا، فإذا لم يتم الوفاء بالجودة والإتقان، تبدأ الثقة تهتز بالنظام الإجتماعى.
إن أهم ما يفرق أو يميز مستوى التقدم و الرخاء والرفاهية بين الشعوب، أن تنتشر فيها ثقافة الجودة والإتقان وشعوب أخرى يشيع بين أبنائها الإستخفاف بجودة السلعة والخدمات، قد يصل بها الى رداءة فى نوعية السلعة أو الخدمة مما يجعل المستهلك يفضل المنتجات الأكثر جودة حتى لو غلا ثمنها، ويقبل أبناء البلدة التى إستخفت بمستوى الجودة على سلع أخرى مستوردة مما يخل بالموازنة التجارية بحيث تزيد فيها المستوردات وتقل فيها الصادرات.
وبذلك تفقد الأمة تدريجيا اإستقلالها الإقتصادى، ثم تسير فى ركب التبعية.
وهذا ما جرى على الأمة الاسلامية منذ أن تراخت مقوماتها الحضارية بعد أن كانت حاملة مشعل الحضارة للعالم، وذلك لأسباب تتعلق بوهن التمسك المطرد بمقاصد الشريعة والتفريط فى مبدأ الشورى.

غياب ثقافة الإتقان

كان مردود ذلك الوهن وتفسخ العلاقات السياسية بين مقاطعات وامارات الأمة الاسلامية، وفقد مقومات التقدم الحضارى التى كانت عليه، وشيوع ثقافة اللامبالاة والاستخفاف بقيم العمل وجودة الانتاج، أن تهيّأت لأطماع أهل الحضارة الغربية الصاعدة التى تمكّنت بنفوذها وقوتها المادية على التغوّل فى أعماق المساحات الشاسعة لأوطان الأمة الاسلامية، ثم توالت أحداث السيطرة والصراع حول التحرر من استعمار تقليدى واستزراع الاستيطان الاسرائيلى الى استعمار مستحدث بسيطرة الاقتصاد الرأسمالى وتوحّشه فى ثوب العولمة الفضفاض، بمحتوى النفوذ الثقافى والسيطرة على الأسواق، وتكريس التبعية لشعوب العالم الثالث وعلى رأسه الأمة العربية والاسلامية.

عقبات لنهضة الأمة

إن نهضة الأمة مازال يقف أمامها عقبات ترد عليها من خارجها من مشاعر وأفعال العدوان ضدالأمة الاسلامية وعقيدتها ومصالحها، ومشكلات تتفجر من داخلها بسبب تناقضات سياسية وتبعية اقتصادية، وأخرى ثقافية لدى قطعان من المتعولمين المنساقين وراء الانبهار ببريق المدنية الغربية باعتبارها السبيل الأيسر لتجاوز التخلف واللحاق بالأمم المتقدمة.
إذاً فحلبة الصراع واسعة ممتدة تبدو لا شطئان لها، مما قد يثبط همم المصلحين أو الداعين الى استنهاض حضارى للأمة الإسلامية، على اعتبار ان موازين كافة القوي السياسية والعسكرية والإقتصادية والإعلامية تثقل كفة هيمنة العولمة الغربية المتوحشة.
ولكن لكل طريق بداية ورحلة الألف ميل تبدأ بخطوة واحدة، فاذا كان يصعب اللحاق بركب التقدم العلمى والتكنولوجى الذى بلغه الغرب وحقق به السيادة والهيمنة، وإعاقتة المتعمدة لجهود الأمة باستنهاض امكاناتها، ونفض غبار التخلف عنها، وأذا ما ارادت التقدم فبشروطه حتى تستمر نفوذ هيمنته الإقتصادية والسياسية.
فإن الخطوة الأولى للإستنهاض بعد تدعيم الوعى به فى ربوع الأمة هو إستثمار رأس المال الإجتماعى الذى يمكن أن يتحرر من الهيمنة، بالإتجاه نحو التنمية الذاتية المستقلة، بشحذ القدرات والمهارات المتاحة، وتجديدها فى الأجيال المتتابعة على أسس سياسة علمية وتعليمية وتربوية، تجمع بين الأصالة والمعاصرة، وجوهر الأصالة هنا يكمن فى تدعيم إيمان الأجيال بالنهضة على أساس أنها التطبيق الخالص لإستخلاف الأمة الإسلامية لهداية الإنسانية نحو رسالة التوحيد التى لا بديل عنها لإنقاذ العالم من مصير قد يدمره أيادى بطش الهيمنة الغربية وأضرابها من المنافسين لها من قوى جديدة صاعدة لها وزنها فى دول شرق آسيا.

الإمكانات الذاتية للنهضة

إذا فلنبدأ بترتيب بيت الأمه من الداخل بإستثمار الثروات والموارد البشرية المتاحة، وترقية قدراتها الذاتية وغرس قيم الجودة والإتقان والإحسان فى العمل، سواء فى الإنتاج والخدمات على حد سواء.
وإذا كان غرس القيم لا بد أن يبدأ منذ تنشئة الأطفال وتعزيزها خلال مرحلة الشباب، فلا بد بالضرورة أن تسبق ذلك إلتزام القدوة بالإحسان والإتقان فى العمل وتقديم الخدمة وهى مستوفية شروط عدم النقصان والتكامل فى الشكل والمضمون.
ولا يكفى التعاليم والأمانى لتحسين الجودة فى الإنتاج او الخدمات بل لا بد من المراجعة والمحاسبة إزاء العيوب والنقصان فى تمام العمل، والذى يمكن أن يحكم ذلك ليس بالقانون واللوائح التنظيمية فقط، بل باستحضار القيم الأخلاقية فى كل مهنة أو حرفة فى ضمير االواجب والمسئولية، وتتميز المنظومة الإسلامية فى هذا المجال بأنها لا تكتفى بالمردود المادى والأدبى لمن أجاد وأبدع وأتقن فى دنيا العمل، بل بالجزاء والثواب يوم الحساب فى الآخرة «من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون» وهذا ضمان غير مسبوق فى إثابة العاملين المؤمنين فى دنياهم وآخرتهم.
إن الجودة والإتقان فى العمل لا تقتصر على إعتناق الفرد لهذه القيمة، وإنعكاستها فى أسلوب حياته، بل هى بالضرورة إتجاه وتيار قيمى عام، يسرى فى فكر وروح المجتمع الذى تميز بالتقدم عن غيره، مما يجعلها ثقافة عامة تسرى فى عقل وروح الأمة التى تسعى الى الإرتقاء الحضارى المستمر.
ويسوقنا الإستقراء التاريخى أن أي حضارة أثرت فى المسار الإنسانى، لم تبلغ قمتها الا بالدقة فى الأداء القولى والعملى، فالحضارات التى خلّفت أثرا فى تطور الفكر الإنسانى والشواهد العمرانية والتقنيّة لم تحقق ذلك إلا ببلوغ اقصي درجات الدقة فى الجودة والإتقان، وقياسا على أن ما يبقى للفرد بعد إنتهاء أجله هو العمل الصالح والعلم الذى ينتفع به، كذلك فى الحضارات إذا أفل نجمها لسبب أو لآخر فإن ما تورثه للإنسانية هو التراث الأدبى والأخلاقى الذى يعلم الشعوب، والآثار الماديةوالفنية والعلمية التى تيسّر للإنسانية سبل الحياة.
لذلك قد تذوب الفروق بين الحضارات فى المضمار العملى للنشاط الإنسانى وتصبح منتوج هذه الحضارات ليست ملكا أو حكرا على أهل حضارة معينة بل خرجت من نطاق حيازتها الى الآفاق الإنسانية الواسعة.
القيم الإسلاميةالحاكمة للجودة والإتقان والذى يتامّل لمعايير الجودة من حيث إنخفاض التكاليف ونسبة العيوب ومعدلات الفشل وإنخفاض الحاجة ايضا الى التفتيش وتحسين جودة الآداء نرى أن هذه المعايير هى مجموعة من القيم المادية والمعنوية تحكمها أخلاقيات المهنة، وعلى سبيل المثال فإن معيار إنخفاض الحاجة الى الإختبارات والتفتيش يشير أن التفتيش الخارجى سبقه تفتيش فى رقابة النفس أو الضمير على الإتقان والإحسان فى العمل، ويدعم ذلك بشدة الإحساس العميق باطلاع الله سبحانه على حال الآداء أثناء العمل مما يضفى المزيد الى ميزان الحسنات للمتقن او المحسن فى عمله.
ومن ثم فإن مواصفات الجودة والإتقان لها المردود الدنيوى وهو زيادة المكاسب بسبب الثقة فى المنتج أو الخدمة، فضلا عن المكاسب فى الآخرة يوم الحساب.
فحسن الآداء والإتقان فى العمل يدخل فى نطاق حسن العابدة لله سبحانه فى أمور المعاملات.
وهذه القيم الحاكمة للإحسان والجودة والإتقان تجزى من التزم بها بغض النظر عن عقيدته فهى من السنن الإلهية التى تنطبق على كل البشر «إن الله لا يضيع أجر من أحسن عملا» فاذا ما عادت الأمة الإسلامية الى الإمتثال الى تطبيق معايير الإحسان و الإتقان فى عباداتهم ومعاملاتهم وعلاقاتهم وتعاونهم لانبسطت لها آفاق الرخاء وفتحت لها سبل التقدم والتحرر من تبعية إقتصادية وسياسية قيدتها، وما زالت، حقب تاريخية متلاحقة.
ولا يمكن أن يتحقق ذلك إلا اذا ما بدأت الأمة الإسلامية باستنهاض نفسها بأبنائها، بتنمية حضارية مستحدثة ومستدامة تقف على قاعدة من ثوابت الإيمان مستثمرة كل الموارد البشرية والثقافية والإنتاجية والسياسية.
وكما قلنا ولن نملّ من التكرار أن إحسان العبادات وإتقان المعاملات فى كل أساليب الحياة هى بوابة الخروج من التخلف والدخول الى التقدم، والوقوف فى على قدم المساواة على الأقل فى صفوف الأمم المتقدمة لا فى ذيلها كما هو الآن.

 

 

المصدر: بقلم الكاتب: د. صلاح عبدالمتعال ـ مصر مجلة الوعي الإسلامي

ساحة النقاش

الدعم الفني وضمان الجودة بادارة النزهة التعليمية

anamal
»

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

87,360