
عرفتُهم: أُنيزة نياز… حين يصبح العلم رسالةً إنسانية
بقلم د. غسان شحرور
تُعدّ الأستاذة الدكتورة أُنيزة نياز Prof. Unaiza Niaz من أبرز رائدات الطب النفسي في جنوب آسيا، ومن الشخصيات النسائية التي أسهمت في تحويل الصحة النفسية للمرأة من موضوع مهمّش إلى مجال علمي معترف به عالميًا. جمعت في مسيرتها بين التميّز الأكاديمي، والفهم الثقافي العميق، والالتزام الإنساني تجاه المجتمعات المتأثرة بالحروب والعنف والتهجير.
لم تنظر نياز إلى الصحة النفسية باعتبارها تشخيصًا وعلاجًا فحسب، بل رأت أنها قضية ترتبط بكرامة الإنسان وظروفه الاجتماعية والثقافية والإنسانية. أولت اهتمامًا خاصًا بالنساء اللواتي يتحملن أعباء النزاعات والتمييز والضغوط المتراكمة، مؤكدة أن حماية صحتهن النفسية مسؤولية علمية وإنسانية وحقوقية في آن واحد.
كان لقائي الأول بها خلال المؤتمر العربي للطب النفسي في دمشق عام 2008. قدّمت محاضرة مؤثرة حول الصدمات النفسية في المجتمعات المتأثرة بالنزاعات، بينما قدّمت عرضي حول مخلّفات الحرب المتفجّرة وآثارها الإنسانية في المنطقة العربية. ما بقي في ذاكرتي لم يكن عمق معرفتها العلمية فحسب، بل اهتمامها الصادق بقصص الأطفال المصابين بالألغام والعائلات التي عاشت سنوات طويلة تحت وطأة الخوف وانعدام الأمان.
بعد المؤتمر، طلبت مني الإسهام بفصل أو مقال في كتابها الصادر عن مطبعة جامعة أكسفورد حول الحروب والتمرّدات والهجمات الإرهابية. كما اختارت إحدى الصور التي قدّمتها خلال محاضرتي لتكون خلفية لغلاف الكتاب. كان هذا الاختيار يعكس رؤيتها بأن الخبرة الميدانية ليست مجرد مادة توضيحية، بل مصدر أساسي لفهم المعاناة الإنسانية وتطوير المعرفة العلمية.
تلقت الدكتورةً نياز تدريبها في بلدها باكستان، ثم في مؤسسات عالمية مرموقة مثل «رويال فري» في لندن و«جونز هوبكنز»، لكنها لم تكتف بنقل المعرفة الطبية كما هي، بل عملت على تطوير ممارسة نفسية تحترم الثقافة والهوية والظروف الإنسانية للمجتمعات المختلفة. وكانت أول طبيبة نفس باكستانية تحصل على مؤهلات متقدمة في اختصاص طب الطيران، مما ساعد على ترسيخ هذا المجال في بلدها.
امتد تأثيرها من خلال أدوارها القيادية في الجمعية العالمية للطب النفسي، والاتحاد العالمي للصحة النفسية، والجمعية الدولية للصحة النفسية للمرأة، حيث أسهمت في بناء حضور عالمي لقضايا المرأة النفسية. وفي وقت كانت فيه مشاركة النساء في القيادة الأكاديمية الدولية محدودة، قدّمت نموذجًا لامرأة عالمة استطاعت الجمع بين البحث والتعليم والتأثير المجتمعي.
تجاوز إنتاجها العلمي 180 عملاً بين أبحاث وكتب وفصول علمية، كان آخرها المؤتمر العالمي للطب النفسي في الأردن هذا العام 2026، الأمر الذي رسّخ حضورها كأحد أبرز الأصوات العلمية في فهم العنف والصدمات النفسية في المجتمعات المتأثرة بالنزاعات. وفي مذكّراتها «عشتُ الحياة» تظهر شخصية تجمع بين العلم والتواضع والصلابة الأخلاقية، وتكشف كيف يمكن للطب النفسي أن يكون وسيلة لتعزيز الأمل، لا مجرد علاج للمرض.
تواصل الدكتورة أُنيزة نياز إلهام أجيال جديدة من الأطباء النفسيين، خصوصًا النساء، وتقدّم نموذجًا للقيادة العلمية التي تقوم على المعرفة والرحمة واحترام الإنسان.أما بالنسبة لي، فقد كان لقائي بها في دمشق بداية علاقة علمية وإنسانية تركت أثرًا عميقًا في مسيرتي. لقد أكدت لي أن العلم يبلغ ذروته حين يتحول إلى خدمة للإنسان، وأن الطب النفسي في جوهره ليس فقط دراسة للمعاناة، بل رسالة لحماية الكرامة والأمل.
عرفتُهم: زاوية ثقافية دورية يكتبها د. غسان شحرور.



ساحة النقاش