تعريف التوية: التوبة لغة:

التَّوبَةُ: بفتح التاء وسكون الواو - مأخوذة من «تَوَبَ» التاء والواء والباء كلمة واحدة تدل على الرجوع، يقال تاب وأناب إذا رجع عن ذنبه 

والتوبة: هي الرجوع إلى الله، بحل عقدة الإصرار عن القلب، ثم القيام بكل حقوق الرب - سبحانه وتعالى.

والتَّوْبُ والتَّوْبَةُ معناهما واحد، والمراد: ترك الذنب على أجمل الوجوه، وهو أبلغ وجوه الاعتذار.

والتوبة في الشرع:ترك الذنب مخافة الله، واستشعار قبحه، وندم على المعصية من حيث هي معصية، والعزيمة على ألا يعود إليها إذا قدر عليها، وتدارك ما أمكنه أن يتدارك من الأعمال بالإعادة.

معاني التوبة في القرآن: ورد لفظ التوبة في القرآن الكريم دالاً على معان عدة منها:1 - التوبة بمعنى الندم:ومنه قوله - تعالى -: {فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} [البقرة: 54].وقوله - تعالى -: {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [النور: 31].2 - التوبة بمعنى التجاوز:ومنه قوله - تعالى -: {لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ} [التوبة: 117]، أي تجاوز عنهم.وقوله - تعالى -: {وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} [الأحزاب: 73].3 - التوبة بمعنى الرجوع عن الشيء:ومنه قوله - تعالى - على لسان موسى - عليه السلام -: {سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ} [الأعراف: 143]، أي رجعت عن سؤالي الرؤية.فضل التوبة إلى اللهأمر الله - سبحانه - بالتوبة فقال: {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [النور: 31].ووعد بالقبول عليها، فقال: {وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ} [الشورى: 25].وفتح لعباده أبواب الرجاء في عفوه ومغفرته، وأمرهم أن يلجؤوا إلى ساحات كرمه وجوده، طالبين تكفير السيئات وستر العورات، وقبول توبتهم، لا يطردهم من رحمة الله طارد، ولا يوصد بينهم وبين الله باب.قال تعالى: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [الزمر: 53].فمن تاب واستغفر تاب الله عليه؛ قال - تعالى -: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ} [آل عمران: 153].وجوب التوبة على الفورإذا كان عموم الناس محتاجين إلى التوبة، فإنه لا بد وأن يكونوا مشتغلين بها في كل حين وآن، وقد دّلت النصوص المتضافرة على أن المبادرة بالتوبة من الذنب فرضٌ على الفور، ولا يجوز تأخيرها، وأن التوبة عند المعاينة لا تنفع؛ لأنها والحالة هذه تصبح توبة ضرورة لا اختيار.لهذا كان قبول التوبة حقٌ على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب، قبل أن تنقطع الآمال وتحضر الآجال، وتساق الأرواح سوقًا، ويغلب المرء على نفسه؛ قال تعالى: {إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا * وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآَنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} [النساء: 17، 18].شروط التوبةالتوبة إلى الله - تعالى - من أعظم الحسنات؛ لأنها تزيل العوائق التي تقوم بين العبد وبين ربه: تلك العوائق الكامنة في النفس من شهواتها ونزواتها؛ فالتوبة تملأ النفس بالأمل، وتقود القلب إلى مصدر النور.ولن تكون التوبة صحيحة مقبولة حتى تتحقق فيها شروط تثبت صدق التائب في توبته.من هذه الشروط:أولاً: أن تكون خالصة لله - عز وجل - لأن الله - سبحانه - لا يقبل من الأعمال إلا ما كان خالصًا له وحده مبتغىً به وجهه، وموافقًا أمره باتباع رسوله - صلى الله عليه وسلم -؛ فلا بد أن يكون العمل خالصًا إلى الله - تعالى - صوابًا؛ أي موافقًا للسُّنَّة؛ إذ قد يكون العمل صوابًا ولا يكون خالصًا، فلا يقبل، وقد يكون خالصًا ولا يكون صوابًا فلا يقبل - أيضًا - وكان من دعاء عمر - رضي الله عنه -: «اللهم اجعل عملي كله صالحًا، واجعله لوجهك خالصًا، ولا تجعل لأحد فيه شيئًا». فيكون الباعث للتوبة حُبُّ الله وتعظيمه ورجاؤه، والطمع في ثوابه، والخوف من عقابه، لا تزلفًا إلى مخلوق، ولا قصدًا في عرض من عرض الدنيا الزائل.ثانيًا: الإقلاع عن المعصية: لأن النفس المشغولة بلذة المعصية قلَّما تُخْلص عمل الخير؛ فيجاهد التائب نفسه لاقتلاع جذور الشر من قلبه، حتى يصبح نقيًا خالصًا صافيًا، تصدر عنه أعمال الخير بنية صالحة مقبولة عند الله؛ فإن كانت المعصية بفعل محرم تركه في الحال، وإن كانت بترك واجب فعله في الحال إن كان مما يمكن قضاؤه، وإن كانت مما يتعلق بحقوق الخلق تخلص منها وأداها إلى أهلها أو استحلهم منها، وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله.ثالثًا: الندم على ما سلف منه في الماضي، والإقلاع عنه في الحال والعزم على ألا يعاود الذنب في المستقبل، فلن تكون التوبة صحيحة حتى يكون نادمًا آسفًا حزينًا على ما بدر منه من المعاصيرابعًا: العزم الجازم على عدم معاودة الذنب: فيتوب من الذنب وهو يُحَدَّث نفسه ألا يعود في المستقبل، والقصد لتدارك ما فات وإصلاح ما يأتي، ودوام الطاعة ودوام ترك المعصية إلى الموت، والعزم الجازم - أيضًا - على فعل المأمور، وترك المحظور، والتزام ذلك طيلة حياته.هل العودة إلى الذنب مفسدٌ للتوبةبمعنى أن الشخص إذا تاب من ذنب ثم عاد إليه هل يعود إثم هذا الذنب عليه لأنه رجع إليه؟تفصيل هذه المسألة على النحو التالي:1 - إذا تاب واستمر على توبته، وكانت التوبة مستوفية للشروط خالية من الموانع، فهذه توبة صحيحة لا خلاف فيها بإجماع العلماء.2 - أن يتوب من الذنب، ثم يعود إليه، ثم يتوب منه، ثم يعود إليه؛ فإذا كانت كلُّ توبة مستوفية شروطها، فإن كل توبة صحيحة.3 - أن يتوب من الذنب، ثم يعود إليه، ويموت على ذلك، فهل يؤخذ بالأول والثاني، أم يؤخذ بالثاني وأما الأول فقد جبَّتْه التوبة ورُفع عنه الإثم؟في ذلك قولان لأهل العلم:الأول: أنه يؤخذ بالأول والثاني، وتكون معاودته الذنب مرة أخرى ناقضة للتوبة السابقة؛ وذلك لأن التوبة مشروطة باستمرارها والموافاة عليها، وهذا لم يستمر عليها، ولقوله تعالى: {وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}، وقوله تعالى: {وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 217].الثاني: أنه لا يؤخذ إلا بالثاني، وأما الأول فقد مَحَتْ أثره التوبة، وصار بمنزلة ما لم يعمله، ويدل لذلك ما رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «أذنب عبدٌ ذنبًا فقال: اللهم اغفر لي ذنبي، فقال تبارك وتعالى: أذنب عبدي، فعلم أن له ربًا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب، ثم عاد فأذنب فقال: أي رب اغفر لي ذنبي فقال تبارك وتعالى: عبدي أذنب ذنبًا فعلم أن له ربًا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب، ثم عاد فأذنب، فقال: أي رب اغفر لي ذنبي، فقال تبارك وتعالى: أذنب عبدي ذنبًا فعلم أنه له ربًا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب، اعمل ما شئت فقد غفرت لك» والقول الثاني هو الراجح، وما ورد من أدلة للقول الأول فإنه محمولٌ على الموافاة بالكفر والموت عليه.
المصدر: كتاب: التوبة إلى الله - معناها، حقيقتها، فضلها، شروطها المؤلف: أ. د صالح بن غانم بن عبد الله بن سليمان بن علي السدلان الناشر: دار بلنسية للنشر والتوزيع، الرياض - المملكة العربية السعودية
  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 220 مشاهدة
نشرت فى 30 إبريل 2015 بواسطة alisal214

عدد زيارات الموقع

1,256