بستـان دوحة الحروف والكلمات ! للكاتب السوداني/ عمر عيسى محمد أحمد

موقع يتعامل مع الفكر والأدب والثقافة والخواطر الجميلة :

بسم الله الرحمن الرحيم

( قصـــــة قصيــــــــرة )

فـتـــــــاة شجـــــرة الصحـــــراء !!

مواضع الندى تحير الألباب .. ولا توجد مبررات الاختيار.. ومسالك النسمة تربك الأحوال بالصدف .. ولا توافق الحسابات .. ونقاط المطر تسقط حيث تسقط والمصير حول الحجاب !.. فقد يكون المصير فوق جبل أو قبر .. أو في حفرة أو سهل .. أو في محيط أو نهر .. فالأقدار هي التي تقول وتحكم .. لقد التقى الجميع في غفلة غير مسبوقة المخطط .. وفي خطوة غير متعمدة ومحسوبة سلفاً .. الظروف قد تجمع في البوتقة الواحدة ما ليس في الحسبان .. المصادر والمنابع قد تكون متباينة .. والوجهات والنوايا قد تكون مغايرة .. والمستقبل والمصائر حتى تكون محسومة في كتاب الأزل .. ولكن لا بد لها من لحظات التجلي .. جماعة من ركاب الحافلات قد ضاقت بهم الأحوال والسبل في مواصلة السفر .. فجلسوا مجبرين وحائرين تحت شجرة .. كانت شجرة وحيدة ويتيمة في عمق الصحراء .. وارفة ظليلة بقدر يماثل الواحة .. تغري وتعجب النظار .. غير أنها لم تكن السبب الأساسي في تواجد الزوار تحتها .. فقد تواترت جحافل السيول عبر الصحراء .. ومنعت رتل الحافلات من مواصلة المشوار والسفر .. سيول قد اجتاحت المعابر شرقا وغربا وجنوبا وشمالاً .. فكان لا بد لركاب الحافلات من الانتظار .. وأن يلوذوا بالأمان حتى تمر السيول بسلام .. ولقد مثلت تلك الشجرة الملاذ الأمين .. حيث الشجرة ذات الظل الظليل .. كانت الشجرة وبالقرب تقف الحافلات .. فافترشوا الأرض بساطاً وجلسوا رجالا ونساءً .. كباراً وصغاراً .. شيبا وشباباً .. وقد تجلت اهتمامات الركاب في تلك اللحظة بمقدار يعني القليل من التعارف اللحظي البيني .. وكانت المشاعر تتفاوت بقدر يوافق الأعمار.. حيث المكاييل التي توافق الكيال .. وقار يرضي طموح الكبار .. ونشوة تراوغ أفئدة الصغار .. فهنالك قلوب مسنة لا تكترث ولا تبالي بأضواء الجمال .. كما أن هنالك قلوب يافعة وشابة أسعدتها المعية مع الحسان .. غير أن الأعراف والتقاليد كانت تفرض نوعاً من الحياء والاستحياء .. ورغم ذلك فإن القلوب الشابة كانت ترى السانحة لتنادي بالألفة والمودة .. وتلك فطرة طبيعية في تلك الأعمار .. إلا أن الكلفة البينية لا ترفع بجرأة التعدي والتحدي .. ولذلك كان لا بد من سلوك للتحايل والتلاعب .. حيث الإدعاء زيفاً بعدم الاهتمام والنظر كذباً في آفاق الصحراء .. في حين أن الأعماق كانت تنظر خلسة وإعجاباً في جمال الجوار .. وبالمحصلة فإن عيون الجميع كانت تتفادى النظرات المباشرة الجريئة .. رغم أن الساحة لم تخلو من عيون كانت تختلس النظرات في غفلة الآخرين .. وبعد ذلك مرت الساعات والشمل ما زال يجمع الركاب تحت الشجرة .. ومازالت العيون تتفادى التحديق المباشر .. عيون تشرد ساهية شاردة في الآفاق البعيدة .. ثم لا ترى إلا ذلك السراب الذي يتراقص بألوان الحياة الزائفة .. كانت ترى وتشاهد مياهاً وأنهاراً وأشجاراً وجبالاً وهياكل متلاعبة .. وحينها تتحدث النفوس في أعماقها وتقول أن الحياة مثل ذلك السراب خادعة .. وهي الحياة التي توجد المغريات حيناً ثم توجد النكبات حيناً .. لقد تراجعت الهمهمة بين الركاب ثم بدأ الصمت يسود الجمع في أعياء .. والعيون كانت مشغولة في مآربها .. فهي إما شاردة في الآفاق وإما آيلة للنوم والنعاس .. ثم فجأة بدأت القصة .. حيث التقت عين بعين .. تلك عينها تلاقت بعينه في لمحة وصدفة .. كانت اللحظة تشير أن عيون الركاب في غفلة أو في غفوة !.. ولكن تراجعت نظرة الفتاة بسرعة .. ولم تتمادى كثيرا في تلك النظرة الأولى .. بل مالت لجهة أخرى وغضت النظر بسرعة .. وكأنها تريد أن تقول أنها لم تقصد النظرة .. ولكن هيهات هيهات فقد وقع الأمر في الحفرة .. وذاك إبليس قد رقص طرباً وفرحاً حيث طعم قد نالته النخبة .. بداية وفاق بين صيد وصياد ثم شباك تمثله القلوب !.. فتلك كانت بداية جسر بين قلب وقلب .. فلم تستطع العيون بعد ذلك أن تمنع التصادم والمواجه من وقت لآخر .. تلك كانت تغض النظر حيناً ثم تتجرأ لتعود حيناً .. وذاك كان يتجرأ النظر حيناً ثم يعود ليغض حيناً .. وأخيراً توازنت الترددات بين الموجات حتى أصبحت الشاشة واضحة صوتا وصورة !.. ثم بدأت بعد ذلك لغة العيون والرموش .. كما بدأت الأنامل تتكلم بالإشارات والشفاه صامتة !.. حيث كلام البكم دون أصوات .. حوار ثم أخذ ورد والناس بالقرب نيام .. وقد صدق الشاعر .. نظرة فابتسامة فسلام فكلام فموعد ولقاء .. رغم أن الكلام هنا كان بالإشارات .. لقد أفشى لها أسرار السريرة .. كما أفشت له بدورها .. وأزالوا الحواجز بقدر يرفع الكلفة البينية والحياء .. وهي النفوس التي تشطح حين تتاح لها الأمنيات !.. قال أريدك شريكة الحياة .. فأومأت بالسكوت وتلك علامة الرضا .. تواعدا لقاءاً .. وحددا عنواناً وتاريخاً وساعةً .. وكل ذلك بالإشارات .. حيث اجتهدت الأنامل والرموش .. وبعد ذلك نادى المنادي أيها الجمع قد حانت ساعة الرحيل .. فافترقوا زرافات وجماعات والكل يبتغي حافلته .. ثم كان الشتات والافتراق في أعماق الصحراء .. افتراق قد لا يكون له جمع وشمل مرة أخرى حتى قيام الساعة . 

                كان اللقاء في الموعد والمكان والزمان .. فيه تقاربت المسافة .. وتمعنت الأعين بقدر أوفى وأوفر .. ونطقت الألسن بعد أن هجرت لغة الإشارة .. وقد تلاشى الكثير من علامات الاستفهام التي كانت تؤرق السرائر .. حيث المجهر الذي فصل الأبعاد طولاً وعرضاً ونوعاً .. وكل طرف قد أصبح ذلك المفضوح أسراراً .. وتلك مرحلة لا تريدها النفوس عادةً .. فهي مرحلة قد تسقط اللوحة الجميلة عن الحائط !.. وقد كانت فعلاً .. حيث حددا موعداً آخر للقاء .. تاريخ وعنوان ويوم وساعة .. ولكن في الموعد المحدد قد حضر هو ولم تحضر هي .. فأذهلته الواقعة .. ثم اضطرب انزعاجاً .. واجتهد تخميناً .. فقد يكون التخلف عن الموعد لأسباب السقم والمرض .. وقد يكون التخلف لأسباب الغياب والسفر .. وقد يكون التخلف لأسباب أخرى غير معروفة .. ويقال في الأمثال ( الغائب حجته معـــه ) .. وتلك الحجة قد أصبحت ملحة لديه بقدر كبير .. فقبل الأمر على مضض ومرارة .. ثم رحل عن المكان وهو يبتغي الحقيقة .. وبعد ذلك كانت الطامة الكبرى حين طالت المدة لسنة كاملة ولم يشاهدها إطلاقاً .. لقد اختفت عن الوجود وكأنها رحلت للآخرة .. وفي ذات يوم لا يحمل علامات الخير والوفاق شاهدها من بعيد في حديقة عامة للعائلات .. فركض نحوها شوقاً وتلهفاً .. ولكنها لم تبادله الركض والتلهف بالمثل !.. بل نظرت إليه ببرود تام وبغير اهتمام واكتراث .. فاقترب منها حائراً متعجباً .. فإذا بها لا تبالي به وكأنه نكرة لم تشاهده من قبل !.. ثم كانت المفاجأة حين شاهد دبلة الخطوبة في أناملها .. وعند ذلك تشكك في الأمر وقال في نفسه قد يكون للشبه دور .. فسألها في حيرة متشككاً ( الست تلك الفتاة تحت الشجرة ؟؟ ).. فأجابت ببرود : ( نعم أنا تلك الفتاة وللأمر أسباب ) .. فقال لها وأية أسباب تلك التي قلبت الموازين رأساً على عقب ؟؟ .. وعندها نطقت الفتاة بحروف بمنتهى القوة والصراحة .. حيث نطقت بجمل فاقت كل معدلات العقل والمنطق .. قالت : ( مظنة المرء قد لا تطابق الحقيقة .. والنفس قد تخلق في الخيال ما تروق لها جهلاً ،، فأعذرني فإن الحقيقة تخالف الإيحاء ،، والميول بغير تدبر وحكمة قد تسبب الأخطاء ،، إقحام في غير موسمه ،، واقتحام لأرضية قد لا تروق ،، وقد كانت حساباتي تؤكد أننا لا نفيد البعض في مشوار الحياة ،، وذلك اللقاء الأخير قد أوضح الكثير من المعالم التي لا تروقني فيك ،، وأنت بدورك قد تكون لديك تحفظات في صفاتي ،، وحينها قررت الانسحاب من حياتك بهدوء دون تجريح للمشاعر ،، وها أنا أجد أخيراً من يوافقني في المواصفات والأهواء ،، وكما ترى فتلك هي دبلة الخطوبة في أصبعي ) .. وبعد أن استمع لأقوالها تلك المؤلمة الجارحة جلس في الأرض منتكساً الرأس .. وفي تلك اللحظة غادرته بسرعة ثم اختفت في المعمعة .. ثم لم يشاهد بعد ذلك فتاة شجرة الصحراء طوال حياته .

OmerForWISDOMandWISE

هنا ينابيع الكلمات والحروف تجري كالزلال .. وفيه أرقى أنواع الأشجار التي ثمارها الدرر من المعاني والكلمات الجميلة !!! .. أيها القارئ الكريم مرورك يشرف وينير البستان كثيراَ .. فأبق معنا ولا تبخل علينا بالزيارة القادمة .. فنحن دوماَ في استقبالك بالترحاب والفرحة .

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 19 مشاهدة
نشرت فى 30 يوليو 2018 بواسطة OmerForWISDOMandWISE

ساحة النقاش

OmerForWISDOMandWISE
»

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

564,087