بستـان دوحة الحروف والكلمات ! للكاتب السوداني/ عمر عيسى محمد أحمد

موقع يتعامل مع الفكر والأدب والثقافة والخواطر الجميلة :

بسم الله الرحمن الرحيم

( قصــة قصيـــرة )

قصــة الأعرابـــي صاحب الفراسة ( عداس ) !!

في عمق الصحراء كان يمتطي الناقة الضامرة ( وشلة ) .. ومن حوله الآفاق مزحومة بالجبال .. فعلى اليمين والشمال والمقدمة والمؤخرة امتدادات لجبال تعانق السماء .. سواد لتلال تناطح السحب .. وهي كالأبراج لها أعناق تختفي في أعماق الضباب .. وبين تلك الجبال سهول ووديان تغري بالسفر والترحال .. وهي سهول ووديان تتحايل وتلتوي كالأفعى بين الجبال .. وللناقة ( وشلة ) في تلك السهول ماضي وذكريات .. حيث أشجارها الغضة الكريمة حلوة المذاق .. وحيث لحظات الهرولة والقدلة بصحبة الحداء والغناء .. وتلك أشجار السنط تتمادى في دلالها لتغري الناقة بالاخضرار .. أشجار أقدامها تعودت أن تلامس السيول التي تمر من تحتها من وقد لآخر .. ولقد مرت بها بالأمس القريب .. فاكتست بالنعمة الخضراء .. والناقة ( وشلة ) تعرف جيداً أن أوراق السنط لها مذاق مرموق بين الأعلاف .. ولذلك كانت تريد التوقف في كل لحظة لتتناول وجبة سريعة للعشاء .. أما صاحب القصة فهو ذلك الأعرابي ( عداس ) .. الذي أراد أن يواصل مشوار ذلك اليوم بالقدر الذي يواكب الشمس حتى الغروب .. فكان يجتهد مطارداً الشمس .. رغم أنه يعلم جيدا في عمق نفسه بأن إدراك الشمس من سابع المستحيلات .. ثم طغى الظلام رويداً ورويداً حتى استحال المسار .. وعند ذلك توقف ( عداس ) عن السير وقرر المبيت عند حافة التل بجانب الوادي .. أناخ الناقة ثم أنزل الراحلة على الأرض .. ثم قاد الناقة ( وشلة ) وربطها تحت شجرة وارفة من السنط الظليل .. وعند ذلك بدأت الذئاب البرية تعوي لتؤكد أنها متواجدة بالقرب .. وتلك حقيقة لا يجهلها ( عداس ) .. بل يعرفها جيداً في تلك الوديان .. فهي وديان تعج بالذئاب المشاغبة التي تراوغ إذا كان الظلام متاحاً ودامساَ .. ولكنها ذئاب رعديدة وحذرة إذا تعرضت للزجر والخطر.. وهي تخاف النار واللهب بقدر يفوق الخيال .. ولا تقترب إطلاقاً إذا لمحت جمرة مضاءة في الظلام .. ولذلك فإن العرب في الصحراء عادةً يوقدون النيران اتقاء الذئاب حتى مطلع الشمس .. وقد فعل ( عداس ) ذلك حين جمع حطباً وأوقد ناراً بالقرب من مربط الناقة .. كما أوقد أخرى بالقرب من مرقده الخاص .. وبعد ذلك حاول أن يتناول قليلاً من الزاد قبل الراحة والاستجمام .. ولكنه فجأة أحس بحركة للبشر تدنو نحوه .. فتلك راحلة تقترب من البعد رويداً وريداً .. وعند ذلك أدرك أنه بصحبة من يستجير بناره .. فكان واجب القرى والزاد .. فتلك الراحلة لما شاهدت النار اقتربت تريد الرفقة والأمان .. فلما تجلت الملامح عند ساحة النار تكشفت حقيقة فتاة عربية محجبة ملثمة تمتطي راحلتها .. ثم كان هنالك شقيقها الصبي الصغير الذي كان يمتطي ناقة أخرى .. توقفا عند مسافة للحيطة والحذر .. ثم طلبا من المضيف الأمن والأمان .. كما طلبا حق الضيافة والمعية حتى الصباح .. وتلك مناسك معروفة لدى الأعراب في الصحراء .. فرحب بهما المضيف ( عداس ) أشد الترحاب .. وقد أبدى غاية السرور والحبور بالضيوف الكرام .. وحين أطمأنت الفتاة وشقيقها نزلت من الراحلة .. ثم طلبت من شقيقها إزالة السروج من أظهر النوق .. ثم أمرت شقيقها قائلة : ( يا فاضلابي أصفد النوق في شجرة النبق بالقرب من ناقة المضيف ) .. وهي بذلك كانت ترمي أن تكون النوق في أمن من الذئاب .. وبعد ذلك أشار لهما ( عداس ) بأن يتخذا موضعا لأنفسهما للرقاد والمنام على بعد أمتار من موضعه الخاص .. ثم قدم للضيوف المقدور المتاح من الزاد .. كانت الحالة مربكة قليلاً .. فلم تسأل الفتاة عن اسم الأعرابي المضيف .. كما أنها لم تجتهد لمعرفة المزيد عن سيرة صاحب الضيافة .. والحال كان كذلك حيث أن المضيف لم يجتهد لينقب عن أسرار الضيوف الكرام .. وبعد تناول وجبة العشاء المتاحة نصح ( عداس ) ضيوفه بالنوم المبكر .. حيث كان يبدو عليهم الإرهاق من آثار السفر الطويل .. أما هو فقد تكفل بأن يجتهد في مراقبة النار طوال الليل .. وذلك حتى يكون الجميع في سلام من غدر الذئاب .. فسرعان ما دخلت الفتاة وشقيقها في نوم عميق .. ثم مرت الساعات في هدوء وسلام .. ليل لم يزعج صمته إلا عواء الذئاب ثم نداء الكروان في عمق الظلام .. ولكن قبل انقشاع الفجر بساعات قليلة كان النداء من ( عداس ) للشقيق الصغير .. حيث طلب منه أن يصحا من النوم ثم يتولى نوبة الحراسة حتى مطلع الشمس .. وذلك حتى ينال هو قدراً من الراحة والنوم وقد أرهقه السهر .. وقد أطاعه الصغير بمنتهى الأدب والحرص رغم عمره المتواضع .. حيث كان وديعاً ومخلصاً بالقدر الذي يعجب دون تردد أو تكاسل .. وبعد ذلك مرت ساعات قليلة قبل أن يكتسي الكون ملامح الصباح والرواح .. ثم تسللت أشعة الشمس بين الشعاب .. وأشرقت أنوار فجر تحدت مناقب الجبال والوديان .. ورويدا رويدا وضحت المعالم التي كانت تمثل الأشباح بالليل .. واختفت تلك الذئاب في عالم المجهول .. وفجأة تنبه ( عداس ) ثم قام من نومه وأعد لضيوفه كوباً من الشاي مع القليل من الزاد المتاح .. وبعد ذلك استعدت الفتاة للرحيل وشقيقها .. حيث طلبت من شقيقها أن يجهز الرواحل للسفر.. فأطاعها الصبي بمنتهى الأدب دون إبطاء .. ولما تم تجهيز الرواحل ركبت الفتاة فوق ظهر بعيرها ثم لوحت بيدها للمضيف للوداع .. وهي التي اثنت على حسن الضيافة وكرم المضيف .. سارت قليلاً ولكنها استدارت فجأة لتقول قولاً لم يكن في الحسبان .. حيث قالت للمضيف : ( رافقتك السلامة يا أخو العرب ، ونحن من عرب المرزوقي وسوف ندرك المضارب بعد سفر طويل ) .. وتلك كانت زلة كبيرة وفي غير موضعها .. حيث تعمدت كذبا كبيراً لحاجة في نفسها .. وقد أرادت أن تضلل وتخفي هويتها وهوية قبيلتها الحقيقية .. وذلك بطريقة ضحلة وساذجة .. وتلك صورة تمثل عيباً في عرف العرب .. حيث عدم الثقة في صاحب الضيافة والنزل .. فهي بتلك الكذبة قد أكدت أنها لم تثق في إنسان الليل المجهول .. بل أرادت أن تنهي سيرة تلك الليلة بالقدر الذي ينهي ملاحقة القيل والقال .. ولكنها في حقيقة الأمر كانت تجهل أسرار ذلك المضيف العجيب .. فعندما همت الفتاة وشقيقها بالمغادرة نادى ( عداس ) مخاطباً الشقيق قائلاً : ( قل لأختك المصونة هل جزاء الإحسان هو ذلك النكران والطعن في المصران ؟؟ ) .. وعند ذلك أمسكت الفتاة فجأة عن السير.. ثم شدت اللجام وتوقفت .. ثم استدارت مذهولة مبهورة لتقول : ( ماذا قلت يا أخو العرب ؟؟ ) .. فقال لها : ( يا ابنة فلان أبن فلان ،، ويا بنت فلانة بنت فلان ،، أليس والدك هو الشيخ فلان أبن فلان؟؟ .. أو ليست والدتك هي الفاضلة فلانة بنت فلان ؟؟ ) .. فلماذا تتعمدين الكذب لتقولي أنك في طريقك لمضارب الشيخ المرزوقي التي تبعد آلاف الأميال من هنا وأنت في طريقك لمضارب الشيخ الدسوقي التي تقع على بعد ميل من هنا ؟؟!ّ) .. وما الذي يجبرك لتلوي عنق الحقيقة ؟؟،، وهل نالك منا الأذى حتى تتعمدي تلك الكذبة الكبيرة ؟؟.. وعند ذلك وقفت الفتاة مبهورة ومذهولة وهي لا تصدق ما تسمع .. ثم أناخت الناقة مرة أخرى وقالت : ( لقد أربكتني بشدة يا أخو العرب ؟؟ ) .. وهل كنت تعلم بأسراي منذ لحظات اللقاء الأولى ؟؟ .. فأجابها قائلاً ( نعم وألف نعم لقد علمت بهويتكم وبقبيلتكم منذ اللحظة الأولى التي قلت فيها لأخيك عبارة : ( يا فاضلابي أصفد النوق في شجرة النبق بالقرب من ناقة المضيف ) .. ونحن العرب تعرف جيداً أن القبيلة الوحيدة التي ما زالت تستخدم لفظ ( أصفد ) بدلا من لفظ ( أربط ) هي قبيلة ( الدسوقي ) .. كما أنها هي القبيلة الوحيدة التي ما زالت تستخدم اسم ( النبق ) على شجرة السدر .. والأكثر من ذلك وضوحا أن والدك فلان هو أول من اختار اسم ( الفاضلابي ) لمولود في بادية العرب قبل سنوات قليلة .. وعند ذلك تعجبت الفتاة من مهارة وفراسة ذلك الأعرابي .. فقالت له أرجوك يا أخو العرب أن تفصح لي باسمك وبقبيلتك بين العرب .. فقال لها : ( وهل آمنكم على أسراري كما أمنتكم على الضيافة من قبل ؟؟ ) .. وتلك التي تبيع الضيافة عند المحن دون أسباب قد تتاجر بالاسم عند الحاجة دون أسباب !.. فتركته الفتاة ورحلت مع شقيقها وهي تدمع مكسورة الخاطر .. وعندما بلغت مضارب أهلها ( قبيلة الدسوقي ) فزعوا من دموعها وقد ظنوا أنها قد تعرضت للأذى .. ولكنها طمأنت قومها وقالت لهم أسمعوا القصة من البداية للنهاية ثم أحكموا بأنفسكم .. فلما فرغت من القصة ضحكوا جميعاً .. فقالوا لها هل توصفين لنا ملامح الرجل ؟؟ .. فقالت لهم كان الشخص ملثما طوال الوقت ولم نشاهد وجهه بالقدر المكشوف الواضح .. فوصفوا لها ناقة الرجل وصفاً دقيقاً ومبالغاً .. وعند ذلك صاحت الفتاة مؤيدة ومؤكدة .. فقالوا لها : ذاك هو الأعرابي الفاضل صاحب السيرة ( عداس ) .. فهو من أشهر العرب فراسة ومهارة وقوة نظر .. ومن أشهر العرب عفة وطهارة .. ولقد جرحتم كبرياء الرجل بقدر لا يندمل .. ولكنه هو ( عداس ) الذي دائما يعفو ويصفح .. وقد تكون لديه الكثير والكثير من العلامات والملامح التي قالت عنكم ثم لم يبدها لكم .. والمعروف عن ذلك الرجل ( عداس ) أنه يقرأ القبائل العربية بمجرد التحديق في العيون !.

OmerForWISDOMandWISE

هنا ينابيع الكلمات والحروف تجري كالزلال .. وفيه أرقى أنواع الأشجار التي ثمارها الدرر من المعاني والكلمات الجميلة !!! .. أيها القارئ الكريم مرورك يشرف وينير البستان كثيراَ .. فأبق معنا ولا تبخل علينا بالزيارة القادمة .. فنحن دوماَ في استقبالك بالترحاب والفرحة .

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 15 مشاهدة
نشرت فى 3 يونيو 2018 بواسطة OmerForWISDOMandWISE

ساحة النقاش

OmerForWISDOMandWISE
»

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

556,165