من نفحات التنمية البشرية أقدمها بعون الله وتوفيقه تحت عنوان "قانون الجذب – رؤية إسلامية"

بقلم/ سعيد محمد المنزلاوي      / الحلقة الأولى الاثنين بتاريخ 15/6/2015

هل تريد السعادة والغنى والصحة؟ هل تطلب النجاح والتفوق والتميز؟ هل تريد ما تطمح إليه؟ أن تكون ما تريده وتتمناه؟ كل شيء من أفكارك هو شيء حقيقي. إنك بأفكارك/ أحلامك/ أهدافك تلتقط من خلالها ما يحققها لك ويجعلك واقعًا ملموسًا ومشاهدًا. وإلا فخبرني لماذا يجد التيسير كل من ابتغى العفة والزواج؟ ولماذا وافق التوفيق كل من سلك طريق النجاح، ولماذا رزق كل من طرق أبواب الرزق والكسب المباح. أليس ذلك تصديق عملي لحديث النبي صلى الله عليه وسلم :"من استفتح بابًا أوتي مفاتيحه". إن ما تطلبه على بعد خطوات منك لكن مطلوب منك أن تخطو تلك الخطوات ولا تيأس. إن الكون كله في خدمتك يساعدك على تحقيق هدفك فهنيئًا لك بتلك المساعدة الكبيرة والتوفيق العظيم. في الحديث القُدُسي: «إن الله تعالى يقول: أنا عند ظن عبدي بي؛ إن خيرا فخير، وإن شرا فشر»، فمعاملة الله لعبده تدور مع الظن، فإذا أحسن ظنه بربه بلَّغه ما أمَّل، وإذا تشاءم وأساء الظن بالله فالعقوبة إليه أسرع والشر منه اقترب. ولهذا كان ابن مسعود رضي الله عنه يحلف بالله تعالى ما أحسن عبد بالله تعالى ظنَّه إلا أعطاه الله تعالى ذلك لأن الخير كله بيده، فإذا رزق الله عبدا حسن الظن به فقد أعطاه مفتاح الخير وسر العطايا. والذي حسن ظنه بربه يرى ببصيرة قلبه ما يتمناه قبل أن يتحقق واقعا بين يديه، وهذا ما اعتاده أحمد بن العبّاس النمري حين أنشد يقول:

وإنّي لأرجو الله حتّى كأنّني *** أرى بجميل الظّنّ ما الله صانع

ولذلك أعطانا مفتاح هذا السر النبي صلى الله عليه وسلم عندما علمنا كيف نسأل الله وكيف نحلم ونطمع فيما عند الله :"إذا سألتم الله فاسألوه الفردوس الأعلى من الجنة". لا تقل أية جنة أو أقل جنة فالمهم أن أنجو من النار. لا بل اطلب أعلى الجنان وسترزق من العمل الصالح ما يجعلك ـ برحمة الله ، من أهل الفردوس الأعلى من الجنة. 

لاشك أن الأطباء لم يصيروا أطباء بالصدفة، ولكنهم خططوا لذلك وسعوا إليه، واحتل ذلك الهدف الجزء الأكبر من تفكيرهم، لذلك هداهم الله للسبل المهيِّة للاستذكار والتفوق، حتى حققوا ما طمحوا إليه من قبل.  فمن أراد النجاح فما عليه إلا أن يجعل النجاح شغله الشاغل وأن يراه مجسدًا أمام عينيه وأن يردده دومًا. بل وأن يرى نفسه ناجحًا ومكرمًا ومحتفى به. ألم يكتب والد "أحمد زويل" فوق باب حجرته لافتة كتب فيها كلمتين اثنتين كان لها فعل السحر في حياة الطفل أحمد، وهو يقرأ كلما دلف إلى حجرته "الدكتور أحمد" وقد صار الآن ملء مسامع العالم كله. ويمكن ترجمة هذه المواقف إلى الجملة الآتية "الأفكار تصبح وقائع". حيث ينص قانون الجذب الفكري على أن مجريات حياتنا اليومية أو ما توصلنا إليه إلى الآن هو ناتج لأفكارنا في الماضي وأن أفكارنا الحالية هي التي تصنع مستقبلنا، بالأحرى يقول القانون أن قوة أفكار المرء لها خاصية جذب كبيرة جدا فكلما فكرت في أشياء أو مواقف سلبية اجتذبتها إليك وكلما فكرت أو حلمت أو تمنيت وتخيلت كل شيء جميل وجيد ورائع تريد أن تصبح عليه أو تقتنيه في حياتك فإن قوة هذا الأفكار الصادرة من العقل البشري تجتذب إليها كل ما يتمناه المرء.

 وموقف المسلمين تجاه قانون الجذب هو أنهم يؤمنون بأن قدر الله فوق نظرية التفكير الإيجابي، وأن الله هو من يقدر حياة الإنسان وليس الكون أو مجرد القوى الخفية، ويؤمنون بأن القدر يستلزم موضوعي التفاؤل والعمل، ويبقى في النهاية أن النتيجة بقدر الله ومشيئته وليس أن مجرد التفكير العميق يجذب بذاته ما يفكر فيه الإنسان استقلالا عن تقدير الله. ففي الحديث القدسي يقول الله تعالى: (أنا عند ظن عبدي بي, فليظن بي ما شاء)، وفي القرآن الكريم (وما تشاءون إلا أن يشاء الله [الإنسان:30]) وفي السيرة النبوية كان النبي محمد صلى الله عليه وسلم يحب الفأل الحسن. ومن هنا كانت النظرة الإسلامية هي أسلمة هذا القانون والنظر إليه من منظور الظن. ولدينا أمثلة عدة من النماذج الإسلامية يتقدمها صاحب الأسوة الحسنة صلى الله عليه وسلم حين كان يقلب بصره في السماء يرجو من ربه أن يجعل قبلته في الصلاة شطر المسجد الحرام قبلة أبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام. ويتردد صدى دعواته ويحمل الأثير نداءه لتتجاوب معها أطباق السماء وينزل الوحي من الله "قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام ..".

لا يمنحك قانون الجذب إلا ما تفكر بشأنه. ألم يحدث يومًا أنك كنت تشتاق لرؤية صديق قديم فرأيته، أو اتصل بك أو بلغتك عنه أخبار؟ ألم يحدث أن خطر ببالك أمر ما فوجدته ماثلاً بين يديك؟ ألم تشتاق لشيء فأتاك. إن ما تفكر فيه الآن هو ما يشكل حياتك المستقبلة إنك تصوغ حياتك بأفكارك، لكن ذلك لا يخرجك عن قدر الله ولا عن علم الله ولا عما هو مسطور في اللوح المحفوظ. فذلك كله أخذ بالأسباب "وأن ليس للإنسان إلا ماسعى". إنك وأنت تشكل حياتك أشبه بالزارع يبذر البذور ثم يجنيها ثمارًا. إن أفكارك هي البذور، وما تحقق منها هو الثمار/ فأحسن الغرس تجنى يانع الثمر. 

لكن اعلم أن قانون الجذب لا يعمل مع كلمات النفي "لا" أو "لم" أو "ليس". فعندما تقول "لا أريد أن أتأخر" فإن المخ يفهمها على أنها أريد أن أتأخر" وبالتالي سيعمل بكل طاقته على أن تتأخر. ولعل التاريخ يسجل لنا مقولة للصديق "أبي بكر" في غزوة "حنين" حين قال وقد أبهجته كثرة جيش المسلمين، فقال: "لن نهزم اليوم من قلة" فكانت الهزمية أول الأمر. لتذكر الصِّدِّيق رضي الله عنه بأن النصر ليس بالقوة العددية ولكن بالقوة الإيمانية "كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله" وأن النصر من عند الله وحده. وكذلك تنبهنا على تأثير تلك العبارة المنفية على عقول القائل والسامعين ، حيث قادتهم ليس إلى النصر وإنما إلى الهزيمة. وتسبق إلى ذاكرتنا القصة الرمزية لسباق الأرنب والسلحفاة، حيث أقعد الغرور الأرنب وساقه إلى الهزيمة بينما حققت السلحفاة قصب السبق بمثابرتها وإصرارها. فإذا أردت شيئًا فامتلأ ثقة في ربك أنه سيعينك عليه واسلك كل الأسباب التي ستتهيأ لك ويجلبها الله إليك لتسير بك إلى هدفك المنشود. فقانون الجذب هو قانون العمل وليس الاكتفاء بأحلام اليقظة والنوم كالأرنب بينما الكل في سعي دءوب كالسلحفاة أو أسرع. وينص هذا القانون على أن الشبيه يجذب شبيهه. ألسنا نقول "الطيور على أشكالها تقع"؟ ألست تستريح لهذا ولا تستريح لذاك؟ ألم يطلب العالم من الذي قتل مائة نفس أن يترك بلده فهي بلد سوء ويذهب إلى بلدة كذا ففيها رجال صالحون؟ ألم يؤكد لنا النبي الكريم صلى الله عليه وسلم هذه الحقيقة بقوله: "الأرواح جنود مجندة ما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف" ولذا كان التوجيه الرباني "الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطيبات للطييبين والطيبون للطيبات". فأفكارك هي التي تقودك إما إلى جهة اليمين واليمن وإما إلى جهة اليسار والعسر. فأنت تجذب الأفكار الشبيهة وتجذب العوامل المعينة وتجذب القرناء المعاونين و.... أي إنك تجعل من أفكارك تخطيطًا لمستقبلك، بَعُد هذا المستقبل أو قرب. 

ليس فينا أحد يريد لنفسه الشقاوة والتعاسة. ولكن الحقية أننا نرى التعساء ونشاهد الأشقياء يملئون بشكواهم طباق الأرض وينغصون علينا حياتنا بما يبثونه في نفوسنا من آلامهم وإخفاقهم وحزنهم. فهؤلاء نسجوا بأناملهم خيوط الفشل وسجنوا أنفسهم خلفها لأنهم ببساطة رضوا بها واستكانوا إليها. الخنساء عندما رزئت بموت أخيه "صخر" ونعته مرارًا وتكرارًا رزئت بكثير من خطوب الحزن والموت والفقد حتى ابتليت باستشهاد أبنائها الأربعة معًا في معركة واحدة، وهي وإن بدت صلبة قوية حين جاءها نعيها، فما هذا إلا لتجرعها الحزن مرارًا واشتعال نيران الفقد في قلبها تكرارًا حتى تفحم قلبها أو كاد. ونحن في ذات الوقت لا ننكر أثر الإسلام على الخنساء في صبرها على استشهاد أبنائها ولا ننكر صدق مقالتها وهي أن الله شرفها في فوزهم بالشهادة، فهذا تأكيد على أن حزنها الأول على فقد "صخر" أخيها لأنها فقدته دنيا وآخرةـ بينما تؤمل أن تجتمع بأبنائها الأربعة في جنة ربها برحمته. فمن فتح للحزن بابًا انهمر عليه كالمطر الغزير ومن فتح للحبور بابًا طاف به كالنسيم العليل. وتحضرنا هنا وصية جليلة لرسولنا الجليل صلى الله عليه وسلم: "ما تمارض إنسان إلا مرض" إذا ادعيت المرض لتهرب من أداء عمل أو واجب، فإن فكرة المرض هذه تتردد في الكون حولك لتجلب لك أسباب المرض فتمرض حقًا. فراقب أفكارك جيدًا فإنها ولا شك تشكل حياتك أنت. فإذا أردت أن تستبدل بالمشاعر السلبية مشاعر إيجابية فالأمر في غاية البساطة واليسر، اخرج من حالة الحزن أو الشعور باليأس أو الفشل أو الإحباط إلى حالة السرور والسعادة والرضا والتفاؤل وستجد أنك قد انتقلت من النقيض إلى النقيض. وهذا هو التفاؤل الحسن الذي أشار إليه الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بقوله "تفاءلوا بالخير تجدوه". فما عليك إلا أن تظن خيرًا وستجده بإذن الله بين يديك وطوع بنانك. فأنت تجذب ما تفكر فيه أغلب الوقت، تمامًا مثل الأحلام، ما تحلم به وأنت نائم ليلاً هو ما فكرت فيه أو انشغلت به أثناء ساعات النهار. 

"الحب" هل تعرفونه أقصد هل عشتموه؟؟ إن الحب خير وقود لك في عملك بقانون الجذب، ولست أعني الحب بين الجنسين وفقط ولكن مطلق الحب أي حب الخير هذا الحب الذي تدخل به الجنة "لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم". هذا الحب الذي لا يكتمل إيمانك إلا به "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه". هو أن تحب الخير للناس كما تحبه لنفسك تمامًا. إن الشعور بالحب هو أعلى تردد يمكنك أن تبثه  وكلما زاد ما تشعر به وما تبثه من حب زاد مقدار ما تمتلكه من قوة وطاقة. وهذه الدرجة من الحب إذا بلغناها استطعنا أن نفهم هذا الحمد الوارد في دعاء الصباح والمساء "اللهم ما أصبح بي من نعمة أو بأحد من خلقك فمنك وحدك لا شريك لك فلك الحمد ولك الشكر" إنك تحمد الله وتشكره على أنه أنعم عليك وتحمد الله وتشكره على أنه أنعم على غيرك. لأن المفترض أنك تنتفع بخير الآخرين كما ينتفعون هم بخيرك. فكلنا يكمل كلنا ما أفتقده أجده عندك وما تفتقده أمدك به. فحلمي أحققه من خلالك وحلمك تجده ملامحه عندي وما أصدقها من كلمة قالها الإمام الغزالي (رحمه الله) إن الغنى مع العطاء. فلا تحجب عني ما أبني به حلمي وأحقق به هدفي. لا تكن حجر عثرة في طريق أفكاري. وعلى هذا المعنى فليس هناك أحد معدم أو محرم أو مقل، فنحن نتمرغ في أنهار النعم من حيث لا ندري فإلام الشكوى والضجر:

كم تشتكي وتقول إنك معدم .... والأرض ملكك والسما والأنجم

ومن الواضح أن الذكر ونقيضه كلاهما يجذب ما يشكل حياة الإنسان، فالذي يذكر ربه الخير كله بين يديه والأمان بين عينيه "ألا بذكر الله تطمئن القلوب" والذي يداوم على الاستغفار يُعطى من الخير الكثير والكثير صحة وقوة وولدًا ومالا "فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارًا يرسل السماء عليكم مدرارًا ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارًا". وفي مقابل هذا يكون الإعراض عن ذكر الله تعالى مدعاة لحياة شقية تعيسة يمدد أثرها حتى يوم القيامة "ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرًا قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى". فهما إذن طريقان: الطمأنينة والأمان يستقطبهما ذكر الله، والضنك والعمى يجلبهما الغفلة عن ذكر الله تعالى.

إن مفاتيح الغنى والعطاء بين يديك وإن تشكيل الحلم وحياكة الفكرة مرهون بجذبك لخيوط الفعل والتمكين من أنهار النعم فيما حولك وفيمن حولك. واعلم أن الناس تراك بالصورة التي ترى بها نفسك. فإذا أردت أن يراك الناس أسدًا فَرِ نفسك أسدًا، وإذا أردت أن يحترمك الناس فابدأ أنت باحترام ذاتك وتقديرها.  

وإلى اللقاء غدًا بإذن الله تعالى مع الحلقة الثانية.  (تُرى ماذا سيكون فيها؟؟؟؟؟).

 

المصدر: مدونة سعيد المنزلاوي
  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 246 مشاهدة
نشرت فى 15 يونيو 2015 بواسطة Drsaidalmnzlawy

عدد زيارات الموقع

1,729