الدكتور: السيد عبد المنعم حجازي

وزارة التعليم العالي: H.I.C.S.C. العريش . مصر

 

undefined

إدارة الممكن

الطب بين المهنة والتجارة: مدينة العاشر من رمضان نموذجاً

مقدمة لا بد منها.

تعتبر مهنة الطّبّ من أشرف المهن وأجلّها على الإطلاق، فقد عرف النّاس الطبّ والأطبّاء منذ القدم، ففي اليونان اشتهر الطّبيب أبقراط الذي يعتبر أبو الأطبّاء وأبو الطّبّ، فهو الطّبيب الذي رعى هذه المهنة رعايةً فائقةً فألّف فيها الكتب، كما اشتُهر بوضعه القَسَم الذي يقسمه كلّ طبيب قبل أن يزاول مهنة الطّبّ، وهذا القسم يسمّى بقسَم أبقراط.

أمّا في الحضارة العربيّة والإسلاميّة فقد اشتهر طبيب عربيّ اسمه الحارث بن كلدة الثّقفيّ إذ كان طبيبًا ماهرًا في علمه، وقد كان أشهر الأطبّاء قبل الإسلام، وهو الطّبيب الخاصّ بكسرى أنوشروان، وقد أدرك عصر الإسلام والبعثة فأسلم.

وتظهر أهميّة الطّبيب في المجتمع لأنه الإنسان القادر على تشخيص الأمراض وعلاجها بإذن الله تعالى، وهو الإنسان القادر على التّخفيف من أوجاع النّاس وآلامهم بقدرته على تحديد المرض ووضع العلاج المناسب له.

ولا شكّ بأنّ هذا الأمر مهمّ للنّاس لما تسبّبه الأمراض لهم من معاناة وآلام تجعلهم في حالة نفسيّة سيّئة، إلى جانب عدم قدرتهم على القيام بأعمالهم وواجبات حياتهم بالصّورة الصّحيحة بسبب آثار المرض على صحّة الإنسان وبدنه، ممّا يعطّل شؤون حياتهم ويعرقل مسيرها.

ويمتثل الطبيب الأخلاقيّات في حياته ومهنته، فهو إنسان صادق مع النّاس الذين يتعامل معهم، وهو صادق مع مرضاه لا يغشّهم أو يكذب عليهم، فيخبرهم بحكمةٍ بما يعانون منه دون تخويف أو ترويع لهم ولذويهم، وهو كذلك أمين في عمله لا يغشّ مرضاه ولا يخون ثقتَهم به، وهو إلى جانب ذلك أمين على أسرارهم فلا يفشي أخبارهم، ولا يخبر النّاس ممّن ليس لهم حاجة بما يعاني الآخرون من أمراض، وإذا اطّلع على عوراتهم ستر ذلك وكتمه ونظر إليه بعين الحييّ المضطّر إلى ذلك، وهو كذلك إنسان يمتلك حسّ الدّعابة والفكاهة فيزيل بذلك مظاهر الحزن والخوف والقلق عن مرضاه بكلماته الرّقيقة ومشاعره المرهفة المشفقة.

ويتحمل الطّبيب رسالةً اجتماعيّةً، فكثيرٌ من النّاس ينظرون إلى الأطبّاء على أنّهم أصحاب رسالة سامية، وهم بأدائهم رسالة الطّبّ قادرون على تأدية رسالات أخرى في المجتمع مثل الإصلاح بين النّاس، وإزالة الخلافات والشّحناء بينهم، فمن يداوي النّاس من علل أجسادهم ربّما استطاع أن يداوي المجتمع من أسقامه ومشاكله بعين بصيرة قادرة عل تشخيص المشاكل ووضع الحلول لها.

ويغرس الطّبيب معاني الرّحمة بين النّاس والتّكافل في المجتمع حين يُظهر بمهنته أنّه قادر بفضل الله تعالى على التّخفيف من أوجاع النّاس ومعاناتهم.

وظهر ومع التقدم العلمي والتقني وأوات العلاج المناسبة لما استحدث من أدواء، وصار الطبيب يستخدم تكنولوجيا العصر في علاجه الأمراض المختلفة والتي كان الطب في كثير من الأحوال يعجز عن مداواتها.

ولكن ........!!!!!!

ولكن ..... !!!!! نحتاج إلي نقاط نظام كثيرة جدا في هذا الزمان؟

الطب وتكنولوجيا التجارة.

يعتبر الحديث عن أخلاقيات العمل الطبي ضربا من الخيال في هذا الزمان، فصار الأطباء غير عدد قليل يحترفون مهنة الطب، بغير فرق بين مهنة التجارة ومهنة الطب المتسمة بالأخلاق والرحمة والرأفة وحفظ أسرار المرضى، وأخذ ذلك صورة الـ (بيزنسس Business)، في العمل التجاري الذي ربما في كثير من الأحوال تحكمه وفقا لنظريات التجارة، فقط فكرة (الربح Profit)، فوضع الأطباء فكرة الربح بدلا من الرحمة حتي صار الطب تحكمه سمات العمليات التجارية، وتتمثل مظاهر تلك الإشكالية في أمور منها:

1-    الطبيب فلان يقوم بتلك الجراحة بمبلغ كذا .... Say) وأنا سوف أقوم بمبلغ كذا.

2-    في مستشفي (س) بمبلغ كذا، وفي مستشفي (ص) بمبلغ كذا.

3-    المستشفي (س) أفضل بكثير من المستشفي (ص).

4-    العمل مع الطبيب (س) أفضل من العمل مع الطبيب (ص).

5-    أفضل جهاز لإجراء عمليتك متوفر في مستشفي (س).

6-    أنا أضمن لك نتيجة العملية عند فلان أفضل من فلان.

7-    ........................ وهكذا.

صور كثيرة أتعفف أن أذكر بعضها، إذ لا أسوأ من أن تجد سمسار للطبيب يدلل علي إنجازه وقوته وجرأته في مجاله، ونحن لا ننكر التفوق علي أحد، ولكننا نريد أن نبحث عن هذه الأمور ومدى قدرة الطبيب على أدائها في عمله الرسمي أقصد الحكومي.

وتتفاقم المشكلة أكبر إذا نظرنا إلي كليات الطب بالجامعات المصرية، والعدد الخيالي الذي تمتلكه هذه الكليات وهذه الجامعات، وهم في معظم الأحوال حسب دراسة علمية قد لا يجدون مكاناً يجلسون فيه في كلياتهم وإن وجدوه قد لا يكون لهم كرسي يجلسون عليه، ومن هنا فهم يبررون عدم حضورهم لمستشفيات الجامعات، علي حين لا يتخلفون ثانية عن عملهم الخاص، أو تعاقدهم مع مستشفيات القطاع الخاص.

تجارب رائدة ومحاولات يائسة.

نقرأ كثيرا عن تجارب رائدة ونسمع أكثر، ونلمس حقيقة عن التجارب الرائدة في مجال الطب في العالم كله، وفي مصر علي وجه الخصوص نؤكد حقيقة المراكز العلمية المتخصصة في الجامعات الحكومية أو ما يمكن أن نسميه من المنطلق القانوني (الوحدات الجامعية ذات الطابع الخاص) مثل مركز: الكلي المعروف باسم رائده، مركز غنيم، أو مركز الكبد المعروف باسم الدكتور جمال شيحه.

أو ربما كان النموذج الفريد الذي يقدمه المتميز مجدي يعقوب (The First) وغيره مثل النموذج العالمي الرائع في جنبات المحروسة مصر من مثل (57357) أو مستشفى الحروق، أو مستشفي (500500)، وهكذا.

وتملك القوات المسلحة العديد من المراكز المتخصصة، والتي تمتلك الآن تقنية العلاج وإجراء الجراحات اعتمادا على نظام "الموبايل سى تى" كأحدث جهاز موجود فى مصر، بإمكانه عمل أشعة مقطعية أثناء إجراء الجراحة، وتحديد نسبة الورم المطلوب استئصالها من المريض وما إذا كان الطبيب تمكن من تحديد الهدف المطلوب من الجراحة أم لا، ويحقق لجهاز مستويات فائقة من الدقة فى التشخيص للمرض ويكفل الأسلوب الأمثل فى العلاج والتدخل الجراحي

وتملك المسلحة مركزين لزراعة الكبد، أحدهما فى مستفى المعادى العسكري والآخر بمستشفى المركز الطبي لعالمي، وهناك بروتوكولات تعاون مع عدد كبير من الخبراء الأجانب لإجراء جراحات نادرة، وتشخيص حالات متطورة فى مختلف التخصصات الطبية.

وتغطي مستشفيات القوات المسلحة أكثر من 18 محافظة بمختلف أنحاء الجمهورية تقدم الخدمة الصحية للعسكريين والمدنيين، في إطار دور القوات المسلحة لدعم منظومة الرعاية الصحية، وخدمة القطاع المدني بتكاليف ميسرة، وسوف تكون هناك مستشفى عسكري فى مدينة المنصورة.

وتتميز أسعار العلاج للمدنيين داخل مستشفيات القوات المسلحة بانخفاض التكلفة حيث تقل بنسبة 50 % عن العلاج فى المستشفيات الخاصة، وهناك حالات يتم علاجها بالمجان بعد الحصول على تصديق من القائد العام للقوات المسلحة، أو رئيس أركان حرب القوات المسلحة، وفقا لظروفهم الاجتماعية والاقتصادية، بعد دراسة حالتهم.

وتجدر الإشارة إلي أن هذا دور واحد من الأدوار التي تؤديها القوات المسلحة المصرية، فضلا عن بقية المجالات، والواقع يشهد بما لا يدع مجالا للشك بحجم الأدوار التي تقوم بها القوات المسلحة خدمة للوطن والمواطنين

ونقرأ أن وزارة الصحة في طريق جاد تبحث فكرة أن يتم تخيير الطبيب للعمل في الوظيفة الحكومية فقط، أو عيادته الخاصة فقط، أو في مستشفيات القطاع الخاص فقط، وهى نفس ما سردناه من تجارب رائدة.

وهنا يتأكد لدينا أنه مما من شك لو تم ذلك فسوف نجيد ونتميز جدا في المجال الطبي بكل المقاييس، لأن ما سبق أن عرضناه يؤكد أن الطب صار تجارة وليس علم وأخلاق ورحمة يجب أن يتسم بها الطبيب.

ويبقى السؤال متأرجحا تارة، ومتحشرجا في الحلق تارة أخرى، متى تستطيع وزارة الصحة بكل مكوناتها أن تنفذ تلك التجارب الرائدة التي أثبتت نجاحها في بيئتنا المصرية؟ وليس عيبا أن يعلن الوزير أو المسؤل أيا كان موقعه بثقة تامة أنه لا يستطيع تنفيذ هذا القرار، ويعلن عن المعوقات التي تمنعه من تطبيقه، ويعلن أنه لذلك تقدم باستقالته طواعية لعجزه عن تحقيق ذلك!!!!!!!!!!

العاشر من رمضان نموذجا.

أعلن السيد رئيس جمهورية مصر العربية/ #عبد_الفتاح_السيسي في مؤتمر الشباب (يونيه 2017)، عن تطوير مستشفي العاشر من رمضان (مستشفي التأمين الصحي) وتحويلها لمستشفى عام خلال ثلاثة أشهر من تسلم الهيئة الهندسية لتطويرها، ولسنا بحاجة للكلام كثيرا عن الفروقات العجيبة في أرقام التكاليف قبل وبعد، لأنه كلام يدعو للاستغراب والعجب في زمن تحتاج فيه مصر للحصول علي الخدمة الجيدة في الوقت المناسب وبأقل التكاليف ..... إذ بنا نسمع كلاما عجيبا فيدهش له الرئيس #عبد_الفتاح_السيسي ويقدم البديل في نفس اللحظة.

وتجدر الإشارة إلي أن مدينة العاشر من رمضان من المدن الرائدة في جوانب كثيرة، ولكنها تعاني من أمور أخري (سوف نتكلم عنها في مجالها)، ومن بينها تقديم الخدمات الطبية التي تتسم بكثير من الرداءة والسوء، فضلا عن أنها مجال كبير جدا للتجارة والبيزنس، حيث تضم العديد من المستشفيات الخاصة ذات التخصصات المتعددة، وعدد من المستشفيات الخيرية التي تشرف عليها عدد من الجمعيات الأهلية والتي تحولت هي الأخري لتحقيق الأرباح في كثير من الأحوال؟؟؟؟؟؟؟؟؟!!!! في حين يغيب أو يكاد دور المستشفي الحكومي الوحيد (مستشفي التأمين الصحي.

وتتنافس تلك المستشفيات الخاصة في الحصول علي تعاقدات الشركات في مدينة العاشر من رمضان، والعجيب أنها تبالغ كثيرا في تكاليف تقديم الخدمات، ونحن نعلم ماذا يحملون قسائم العلاج، ولسنا مراقبين لأحد، إنما نستشهد بذلك لنؤكد علي عدة أمور:

1-  غياب التقدير الضريبي الحقيقي علي هذه المستشفيات، لاعتمادهم علي محاسب قانوني يطبق معادلة الاستهلاك المتسارع (1+1-2=0)، بما يضيع حق الدولة في الحصول علي الضرائب.

2-  معاملة المواطنين من أهالي المدينة بنفس طريقة التعامل مع الشركات، بدون مراعاة لأدنى درجة من الرحمة أو أخلاقيات المهنة.

3-  التجارة في الحالات (Patients)، بمعنى أن يحاول الطبيب قدر جهده الحصول علي أكبر قدر من الأموال من المرضى.

ونؤكد بمنطق البيزنس هذا، علي دور حقيقي يجب أن تؤديه وزارة الصحة، أو حتى كليات الطب بالجامعات التى تقع في حيزها تلك المدن، ومن هنا نرسل عددا من الأسئلة لوزارة الصحة، والجامعات المصرية تتمثل فيما يلي:

1-  ماذا لو كانت هناك مستشفى حكومي في مدينة العاشر من رمضان، يمتلك وحدة ذات طابع خاص تتعاقد مع الشركات وتحصل علي الأموال الطائلة تلك وتردها في صورة علاج غير القادرين؟؟؟؟؟؟

2-    ماذا لو كان في كل مدينة صناعية في مصر هذا الاقتراح؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟

إن النتائج التي يمكن أن تترتب علي ذلك كثيرة جدا ومن بين أهمها:

1-    تحقيق خدمة جيدة لمواطن يستحق ذلك.

2-    إنجاز لوزارة الصحة أو حتى كليات الطب يضاف لإنجازانها.

3-    توفير البديل لتحقيق توازن في تكلفة الخدمات للمواطنين.

نماذج للخدمات السيئة.

هناك العديد من الوقائع التي تؤكد ما ذهبنا إليه، وهي مثبتة بالتواريخ والأسماء، ومسجلة في السجلات الخاصة ببعض المستشفيات ونسرد منها ما يلي:

الحالة الأول: طفلة عمرها 4 سنوات.

طفلة لبست حلقة من حلقات يد حقيبة اليد الخاصة بوالدتها، في أحد أصابعها، وكانت ضيقة حتى اختنق أصبعها، فصرخت الطفلة متألمة مما حدث، فحملها والدها ووالدتها وذهبا معا للمستشفي وفي الاستقبال حاولت إحدي الطبيبات (راقية الأخلاق رحيمة بالمرضى، حاولت إخراج الحلقة عبر العديد من الوسائل، بعد أن قامت بوخز أصبع الطفلة لتسريب الدماء المحتجزة خلف الحلقة، واستحال الأمر لإخراجها دون أداة من أدوات الجراحة بغرفة العمليات.

قامت الطبيبة بطلب هذه الأداة فرفض المسؤلون إخراجها، وكان الهدف هو أن تدخل الطفلة لغرفة العمليات ويقوم طبيب التجميل بعمل جراحة مصغرة للطفلة، تحت مسمي عملية صغرى، فاستجاب الوالدان لذلك.

وتم استدعاء الطبيب وقام بعمل جراحة مصغرة، ودفع الوالد تكاليف فتح غرفة العمليات، ودفع أجر الطبيب، وانظر لرقم مبالغ فيه جدا.

وتثير طبيبة الاستقبال الانتباه كثيرا، بعد أن تم تقدير الاجراءات وتم وضع مبلغ 75 جنيها مصريا مقابل محاولاتها في الاستقبال فرفضت أن يتم تسجيل هذه المبالغ علي اسمها، وقامت بالتوقيع علي ذلك، وهي تظهر حالة من الامتعاض الرهيب، قال والد الطفلة لقد أسترحت نفسيا عندما رأيتها كذلك، وقدم لها شكره.

الحالة الثانية: طفل يعاني حالة مرضية خاصة.

ذهب الطفل لتلقي العلاج بإحدي المستشفيات الخاصة بمدينة العاشر من رمضان، ووالده يعرف بحالته تماما، ولكن نظرا لغياب طبيبه المعالج ذهب لهذه المستشفي، ودخل عيادة الباطنة، والطبيب يجلس علي مكتبه، يصارع الوقت حتى ينتهي، فسأل الطفل ما لك يا (.......) فأجاب واصفا حالته، فقال الطبيب (دي زايدة) ولازم نعمل تحاليل وسونار، ويعلق محاليل ويحجز في المستشفي، فتدخل والده وقال له دكتور لو سمحت ابني يعاني من مرض (........) قال الطبيب لا، قال والد الطفل التحاليل والتاريخ المرضي للحالة معي، راجعه، فقام الطبيب للحالة ورفع ساق الطفل اليمنى لأقصي درجة، والطفل يتألم، فقال الطبيب عيب (دي زايدة).

خرج والد الطفل آسفا علي ما أمضاه من وقت في انتظار الطبيب، لكنه قرر أمرا غريبا، جلس حتى نهاية العيادة فوجد الطبيب قد قام بالكشف علي 40 حالة في الوقت ما بين الساعة العاشرة والنصف مساء حتى الحادية عشرة والنصف مساء!!!!!!!!

 

إدارة الممكن: سيناريوهات وبدائل لإدارة الخدمات الصحية

الدكتور/ السيد عبد المنعم حجازي

 

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 59 مشاهدة
نشرت فى 6 يوليو 2017 بواسطة Drelsayedhegazy

د. السيد عبد المنعم علي متولي حجازي

Drelsayedhegazy
»
جارى التحميل

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

1,883