بسم الله الرحمن الرحيم

 

الأغنية الشعبية الفلسطينية ودورها في حركة التحرر الوطني

 

إعداد:

 

 د. زاهر محمد الجوهر حنني / الأدب الفلسطيني الحديث

جامعة القدس المفتوحة/ منطقة قلقيلية التعليمية ( مشرف أكاديمي متفرغ)

 

 أ. عبد العزيز أمين عرار/ التاريخ الحديث

جامعة القدس المفتوحة/ منطقة قلقيلية التعليمية ( مشرف أكاديمي غير متفرغ)

 

 

 

بحث مقدم إلى:

مؤتمر التراث الشعبي الفلسطيني: هوية وانتماء

جامعة القدس المفتوحة

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الأغنية الشعبية الفلسطينية ودورها في حركة التحرر الوطني

إعداد:

 د.زاهر محمد حنني                -  أ. عبد العزيز أمين عرار

 

ملخص

 

لا تقل أهمية الأغنية الشعبية عن أي عنصر آخر من عناصر التراث الشعبي عند الأمم المختلفة، لذا فإن دراستها تقتضي الإلمام بمفهوم التراث، وعناصره وأهميتها ودورها في حفظ الهوية الوطنية، ومعرفة الغث من السمين فيها، لذا وجب في كل حالة من حالات الدراسة تهذيب التراث عند جمعه وتقديمه وتوثيقه، الأمر الذي يحتاج إلى معرفة خاصة به، وهذا يعني أن التصدي لدراسة التراث ومنه الأغنية الشعبية يتطلب جهدا خاصا وقدرة خاصة أيضا. وقد يتوهم متوهم أن التراث الذي يعرفه جميع أبناء الشعب من السهل تناوله وتوثيقه ودراسته، وهذا غير دقيق لأن الباحث مطالب بالمعرفة الشاملة في موضوعه، وبالقدرة على تمييز دلالاته وأبعادها.

 

وقد عكف الباحثان على جمع مادة البحث من مصادر مختلفة، منذ مدة طويلة، كان هذا المؤتمر حافزا على البدء بدراستها الآن، وهو في الواقع ملخص لكتاب قد يكون ضخما يتناول هذه الجوانب بعينها، لكنه ما زال قيد البحث، ولم ينجز حتى اللحظة، وهذا البحث جزء منه، وسوف يستعرض نماذج موثقة علميا أو شعبيا، أما مادة البحث النظرية فهي موثقة علميا، وفقا لأصول البحث العلمي.   

  

يتناول هذا البحث الأغنية الشعبية الفلسطينية ودورها في حركة التحرر الوطني في العصر الحديث..

من حيث: مفهومها، وأهميتها، وأنواعها في القسم الأول، ويتناول في القسم الثاني أبعادها وأغراضها في ثلاثة محاور عامة هي: البعد الوطني، والبعد القومي، والبعد الديني. وما يتخلل هذه المحاور من أغراض فنية وفقا لطبيعة المرحلة السياسية أو الاجتماعية أو الثقافية التي تنتج المعطى التراثي.  

 

ويتناول الباحثان دراسة هذه النماذج وتحليلها برؤية خاصة مدعمة بما يخدم الدراسة من المنهج التاريخي الذي لا يستغنى عنه في دراسة التراث عموما كما يرى الباحثان. وتكون النماذج المستعرضة في هذا البحث مختصرة نظرا لضيق المساحة، الأمر الذي سيكون مفصلا في البحث الكامل فيما بعد – إن شاء الله - . 

                                                         

                                                        والله الموفق لما يحب ويرضى

                                                                       نيسان/2007

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الأغنية الشعبية الفلسطينية ودورها في حركة التحرر الوطني

 

مقدمة:

عندما يتهدد كيان شعب ما، ويجد أن عليه يختار بين أن يكون أو لا يكون، فإنه قد يلجأ إلى هدم المعبد على رؤوس الجميع، أو يلجأ إلى بناء معبد أساسه العقل، وجدرانه الإرادة، وأعمدته الإيمان. الشعب الفلسطيني يتعرض منذ عقود طويلة لإلغاء مبرمج ومخطط، وظل يحاول بكل السبل المتاحة وغير المتاحة الحصول على بعض حقوقه التاريخية، وعندما أثبت وجوده عبر مسيرة نضال شاقة وطويلة، لجأ عدوه إلى استخدام وسائل كثيرة لنفي وجوده، لأن وجود كليهما على هذه الأرض وصل إلى نقطة اللاعودة. ومن أبرز مظاهر صراع الوجود على هذه الأرض شعب يحاول التمسك بتراثه الذي أبدعه خلال قرون طويلة بكل ما فيه من خصائص وسمات وهو الشعب العربي الفلسطيني، ومجموعة من البشر تدعي أن لها أصولا على هذه الأرض تجمعت من كل حدب وصوب، من أمم مختلفة وأصول شتى، وتحاول منذ استيلائها على هذه الأرض بالقوة أن تغير كثيرا من ملامحها وتعطيها بعض السمات التي يمكن أن تنسب لها، في وقت تغيب الشرائع والقوانين السماوية والعقلية، وتحضر بقوة شريعة القوة.

لا تقل أهمية الأغنية الشعبية عن أي عنصر آخر من عناصر التراث الشعبي عند الأمم المختلفة، لذا فإن دراستها تقتضي الإلمام بمفهوم التراث، وعناصره وأهميتها ودورها في حفظ الهوية الوطنية، ومعرفة الغث من السمين فيها، لذا وجب في كل حالة من حالات الدراسة تهذيب التراث عند جمعه وتقديمه وتوثيقه، الأمر الذي يحتاج إلى معرفة خاصة به، وهذا يعني أن التصدي لدراسة التراث ومنه الأغنية الشعبية يتطلب جهدا خاصا وقدرة خاصة أيضا. وقد يتوهم متوهم أن التراث الذي يعرفه جميع أبناء الشعب من السهل تناوله وتوثيقه ودراسته، وهذا غير دقيق لأن الباحث مطالب بالمعرفة الشاملة في موضوعه، وبالقدرة على تمييز دلالاته وأبعادها.

وقد عكف الباحثان على جمع مادة البحث من مصادر مختلفة، منذ مدة طويلة، كان هذا المؤتمر حافزا على البدء بدراستها الآن، وهو في الواقع ملخص لكتاب قد يكون ضخما يتناول هذه الجوانب بعينها، لكنه ما زال قيد البحث، ولم ينجز حتى اللحظة، وهذا البحث جزء منه، وسوف يستعرض نماذج موثقة علميا أو شعبيا، أما مادة البحث النظرية فهي موثقة علميا، وفقا لأصول البحث العلمي.   

يتناول هذا البحث الأغنية الشعبية ودورها في حركة التحرر الوطني الفلسطيني في العصر الحديث، من حيث: مفهومها، وأهميتها، وأنواعها في القسم الأول؛ إذ يعرض لمعناها في اللغة والاصطلاح،وصيرورة هذا المعنى جزءا مهما من التراث، ثم يعرض لأهميتها عموما وخصوصيتها في الواقع الفلسطيني الذي يتعرض لمحاولة الإلغاء والتحويل والسلب، ثم يتناول أنواعها كما هي في التراث الفلسطيني متجاوزا بعض التصنيفات التي درج الدارسون على وضعها في إطارها، ومبينا كل أنواعها موضحا ما يمكن توضيحه منها من حيث معناها وفنيتها وأمثلة توضحها. ويتناول في القسم الثاني أبعادها وأغراضها في ثلاثة أبعاد عامة هي: البعد الوطني؛ الذي يمثل حجر الأساس في الوقت الراهن للأمة العربية كلها؛ فيعدها العرب جميعا قضيتهم التي لا يختلفون فيها مهما اختلفوا. أما البعد الثاني فهو البعد القومي، وفيه يبين الباحثان ارتباط الأغنية الشعبية الفلسطينية مع محيطها العربي بكونها جزءا منه. والبعد الثالث هو البعد الديني، ويبين الباحثان أنه على الرغم من ارتباط هذا البعد بالتاريخ العربي الإسلامي إلا أنه أقل تلك الأبعاد حضورا من حيث العمق الديني. ويعرض البحث ما يتخلل هذه الأبعاد من أغراض فنية وفقا لطبيعة المرحلة السياسية أو الاجتماعية أو الثقافية التي تنتج المعطى التراثي. 

ويتناول الباحثان دراسة هذه النماذج وتحليلها برؤية خاصة مدعمة بما يخدم الدراسة من المنهج التاريخي الذي لا يستغنى عنه في دراسة التراث عموما كما يرى الباحثان. وتكون النماذج المستعرضة في هذا البحث مختصرة نظرا لضيق المساحة، الأمر الذي سيكون مفصلا في البحث الكامل فيما بعد . 

                                                          وما توفيقنا إلا بالله

 

أولا: الأغنية الشعبية

مفهومها وأهميتها وأنواعها

<!--[if !supportLists]-->1-   <!--[endif]-->مفهومها:

الأغنية في اللغة مأخوذة من الفعل غنّى: "والغِناء، ممدود، في الصّوت. وغنّى يُغَنِّي أُغنيّة وغِناءً."(1) و" غَنَّى: طرب وترنم بالكلام الموزون وغيره ويقال غَنَّى الحمام صوت، وفلان بفلان: مدحه أو هجاه، وبالمرأة: تغزل بها، والله فلانا: جعله غنيا، وفلان الركب بفلان ذِكره لهم في شعر، وفلانا الشعر وبالشعر: ترنم به. فلان غَنِيَ وغناء: كثر ماله فهو غان وغني، وعن الشيء لم يحتج إليه، والمكان: عمر، وبالمكان: أقام فيه، والقوم في ديارهم: طال مقامهم فيها، ويقال: غنيت لك مني بالمودة والبر: أي بقيت، والمرأة بزوجها غنى وغنيانا: استغنت به. ( أغنى ) الشيء: كفى، والرجل عنك: كفاك، ويقال: ما يغني عنك هذا: أي ما يجزئ عنك وما ينفعك، والله فلانا: جعله غنيا أي ذا مال ووفر، ويقال: أغنى عنه غناء فلان ومغناه ومغناته: ناب عنه ( اغتنى ) صار غنيا (تغانى ) اغتنى، والقوم: استغنى بعضهم عن بعض، ( استغنى ) اغتنى وبه اكتفى والله: سأله أن يغنيه ( الأغنيَة ) ما يترنم به من الكلام الموزون وغيره ( ج ) أغان( الأغنيَّة ) الأغنية ( ج ) أغاني ( الغاني ) صاحب المال الكثير ويقال رجل غان عن كذا مستغن عنه ( الغانية ) المرأة الغنية بحسنها وجمالها عن الزينة والتي استغنت بزوجها ( ج ) غوان (الغناء) التطريب والترنم بالكلام الموزون وغيره يكون مصحوبا بالموسيقى وغير مصحوب (المغَنِّي ) محترف الغناء "(2) هذه العلاقة الوطيدة بين الغنى والغناء ليست عرضية، وقد تعمدت عرض اشتقاقاتهما لأبين أن الطرب والترنم بالكلام الموزون له حالات أبرزها يرتبط بالغنى الذي يشير إلى من كثر ماله من جانب، ومن جانب آخر يرتبط بالإقامة في المكان، فغني بالمكان - كما ورد - أقام فيه، والقوم في ديارهم، طال مقامهم فيها. وهذا يعني أن الغناء في جانب من جوانبه مرتبط بالاستقرار المادي والمعنوي، في المكان وموجوداته.

أما لفظة الشعبية فهي من الشعب،" والشَّعْبُ: القَبيلةُ العظيمةُ؛ وقيل: الـحَيُّ العظيمُ يتَشَعَّبُ من القبيلةِ؛ وقيل: هو القبيلةُ نفسُها، والجمع شُعوبٌ. والشَّعْبُ: أَبو القبائِلِ الذي يَنْتَسِـبُون إِليه أَي يَجْمَعُهُم ويَضُمُّهُم. وفي التنزيل: وجعَلناكم شُعُوباً وقبائِلَ لتعارَفُوا. قال ابن عباس، رَضي اللّه عنه، في ذلك: الشُّعُوبُ الجُمّاعُ، والقبائلُ البُطُونُ، بُطونُ العرب، والشَّعْبُ ما تَشَعَّبَ من قَبائِل العرب والعجم. وكلُّ جِـيلٍ شَعْبٌ؛ قال ذو الرمة:

                   لا أَحْسِبُ الدَّهْرَ يُبْلي جِدَّةً، أَبداً،             ولا تَقَسَّمُ شَعْباً واحداً، شُعَبُ"

" وحكى ابن الكلبي، عن أَبيه: الشَّعْبُ أَكبرُ من القبيلةِ، ثم الفَصيلةُ، ثم العِمارةُ، ثم البطنُ، ثم الفَخِذُ. قال الشيخ ابن بري: الصحيح في هذا ما رَتَّبَه الزُّبَيرُ ابنُ بكَّارٍ: وهو الشَّعْبُ، ثم القبيلةُ، ثم العِمارةُ، ثم البطنُ، ثم الفَخِذُ، ثم الفصيلة؛ قال أَبو أُسامة: هذه الطَّبَقات على ترتِـيب خَلْق الإِنسانِ، فالشَّعبُ أَعظمُها، مُشْتَقٌّ من شَعْبِ الرَّأْسِ، ثم القبيلةُ من قبيلةِ الرّأْسِ لاجْتماعِها، ثم العِمارةُ وهي الصَّدرُ، (ص:501) ثم البَطنُ، ثم الفخِذُ، ثم الفصيلة، وهي الساقُ"(3) ولا أحسبني إلا قرأت في هذه المعاني كلها أن الشعب يربطهم رابط شعوري، ناتج عن وجودهم معا، في مكان ما، مصادفة أو غير ذلك، وأنهم شاءوا أم أبوا أصل تتوزع منه فروع كثيرة كلها تنضوي تحت هذا الأصل. وقد تطورت دلالة اللفظة تطورا طبيعيا، فامتدت لتشمل الجماعة من الناس الذين يعيشون في رقعة جغرافية ما، وتربطهم روابط كثيرة، منها اللغة والتاريخ المشترك والعادات والتقاليد واللباس والتراث بكل محتوياته المكتوب منه والمنقول شفاهة، وهي على الترتيب تأتي بعد الأمة التي يمكن أن تتكون من مجموعة من الشعوب بينهم روابط مشتركة ولكنهم قد يختلفون في بعضها، بسبب البعد الجغرافي، أو لأسباب سياسية أو غير ذلك. فالشعب الفلسطيني جزء من الأمة العربية، وهو جزء من الأمة الإسلامية، تربطه بهاتين الأمتين روابط كثيرة ويشترك معهما في أشياء كثيرة أيضا مع أنه قد يختلف في بعض التفاصيل التي لا تلغي انتماءه لهاتين الأمتين.

 والشعبية منسوبة إلى الشعب مؤنثة على أنها صفة للأغنية. ليصبح المعنى كله لغة: الطرب والترنم الجماعي بالكلام الموزون وغيره الذي يكون في أكبر وحدة سكانية تجمعهم روابط المكان والتاريخ والتراث.

          أما اصطلاحا فقد تتبعها كثيرون، فقيل:" الأغنية الشعبية: هي الأغنية المرددة التي تستوعبها حافظة جماعة، تتناقل آدابها شفاها، وتصدر في تحقيق وجودها عن وجدان شعبي"(4) وقيل:" الأغنية قصيدة شعرية ملحنة مجهولة الأصل كانت تشيع بين الأميين في الأزمنة الماضية، وما تزال حية في الاستعمال"(5) ونرى أن الأغنية الشعبية شعر له خصوصية في طريقة نظمه وفي طريقة أدائه، له مؤلف في الأصل وهو غير معروف في الغالب، تردده الجماعة في مقامات مناسبة له، وهو قابل للتعديل والتطوير، ومع مرور الزمن وترديده باستمرار يصبح جزءا من تراث الجماعة وإبداعها، لأنه يعبر عن مشاعرها الجماعية في حالاتها المختلفة. 

          ويمكن القول أن الأغنية الشعبية امتداد للقصائد العربية القديمة المغناة على نحو ما، وأكثر أوجه التشابه بينها الألحان التي تختلف في القصائد العامدوية باختلاف البحر الشعري، وهذا الأمر نفسه يمكن عده وجها من وجوه الافتراق، إذ يتم نظم القصيدة الفصيحة على بحر هو الذي يحدد لحنها الغنائي، بينما في الأغنية الشعبية يتم اختيار اللحن أولا وهو الذي يحدد نوع الأغنية وكيفية أدائها.

 

 

 

 

2- أهميتها:

          أهمية الأغنية الشعبية تنبع من أهمية التراث الشعبي نفسه، فإذا كان التراث الصورة الحية المستمرة لصيرورة حياة شعب ما خلال مراحل زمنية متعاقبة، يعكس همومه وآماله وآلامه وتطلعاته، ويعبر عنها جميعا بأنواع مختلفة من الفنون اليدوية والحركية والانطباعية والقولية والكتابية وغيرها، فإن الأغنية الشعبية هي أبرز تلك المحاور التي ينتظمها التراث الشعبي، وذلك لأسباب كثيرة أهمها أن الأغنية الشعبية:

<!--[if !supportLists]-->-    <!--[endif]-->يعرفها جميع أبناء الشعب الواحد على اختلاف مشاربهم الفكرية والثقافية والمعرفية، ويمارسها جزء كبير منهم، ويتخصص بها من هم أهل لإبداعها وتجديدها وترقيتها، والحفاظ على أصولها، وتطوير تلك الأصول بما يخدم الواقع والمستقبل. فإذا سألت أحدا عن أية أغنية شعبية يمكن أن يكملها لك عند سماعه مطلعها.

<!--[if !supportLists]-->-    <!--[endif]-->لا تحتاج في كثير من الأحيان إلى التدوين الذي قد يحتاجه أي فن آخر خوفا عليه من الضياع، وذلك لأنه مدون في عقول أبناء الشعب بكل فئاته.

<!--[if !supportLists]-->-    <!--[endif]-->أنها تتفاعل مع الأذواق المختلفة على اختلافها، فليس لها شكل واحد لا تتعداه، وإنما هي بأشكال مختلفة، وقد تختلف كلماتها وشيء من طريقة أدائها، من منطقة إلى أخرى في المجتمع الواحد، فتعبر عن أذواق متفاوتة في الاستعداد للتفاعل معها. كما قد تحتفظ بلحنها كما هو عند الجميع، وقد تحافظ أيضا على كلماتها كما هي.

<!--[if !supportLists]-->-    <!--[endif]-->يساهم الجميع في إبداعها لهذا تجد الجميع يعملون على صيانتها والحفاظ على ما أبدعته ذاكرتهم الجماعية، والعمل على تطويرها كلما شعروا بضرورة ذلك. بل والعمل على حمايتها من الضياع.

<!--[if !supportLists]-->-    <!--[endif]-->قابلة للتعديل، فهي ليست جامدة أو متحجرة، وإنما يمكن تعديلها وتطويرها، وتحريفها بما يتناسب مع المناسبة التي تُستدعى فيها.

<!--[if !supportLists]-->-         <!--[endif]-->هي الفن الشعبي الأثير لدى عامة الشعب وخاصتهم .

<!--[if !supportLists]-->-    <!--[endif]-->مع أنها لا بد لها من مؤلف في الأصل إلا أنها أصبحت ملكا للجميع لأن الجميع ساهم في تأليفها والزيادة عليها وتطويرها واستدعائها، وبقدر حاجتها لأن يحافظ عليها نحن نحتاجها لتعبر عن مكنوناتنا في المواقف المختلفة التي تتناسب معها.

<!--[if !supportLists]-->-    <!--[endif]-->فهي تصلح لكل زمان ومكان، إذ منها ما يتناسب مع الأفراح على اختلاف أنواعها ومنها ما يتناسب مع الأحزان والمناسبات التي تندرج في إطارها.

          يتحدث الناقد راشد عيسى عن أهمية الأغنية الشعبية في إطار توحيده لكل الأغاني والأزجال والشعر الشعبي في تسمية واحدة هي "الشعر المحكي" فيقول: وقد ظل الشعر الشعبي في البلاد العربية تقليديّاً مكروراً إلى وقت متأخّر من القرن الماضي ، إلى أن بدأ يتجدّد ويتطور مع الدم الفني الجديد على يد شعراء مثقفين كان أغلبهم يكتبون الشعر الفصيح أيضاً فاستفادت قصائدهم من النقلة الفنية الحديثة التي أحدثها الشعر العربي الحديث في الستينيات تحديداً واستمراراً حتى اليوم .

    لقد ألقت آفاق الرؤى الشعرية الحداثية ظلالها على النص المحكي بالدارجة فبرز شعراء عرب ساهموا أيّما إسهام في تطوير النص ولا سيما استثماره في مجال الغناء العربي ، مما جعل كل مسميات الشعر العامي تتقلص لتصل إلى ما أسمّيه الشعر " المحكي "، وأعني به الشعر المكتوب بصور شعرية جديدة حديثة وببناء فني على نمط قصيدة التفعيلة ، ولا تكاد تفصله عن الشعر الحديث الفصيح سوى بعض مفرداته المنطوقة بالطريقة الشعبية الأصيلة ، لا بل أصبح منتشراً بشكل واسع يغطي على انتشار القصيدة الفصيحة برغم انحياز الفئة الخاصة من شعراء اللغة العربية .

ولعل من أسباب ذلك حرارة التعابير وجمال الصور المنزوعة من أنفاس البيئة وأخلاق الشعب وعاداته وتقاليده المنغرسة في الوجدان ، فهو يصل القلوب بلا وسائط نقدية وتفسيرية وتحليلية كالتي يحتاجها الشعر الفصيح الملغّم بالرموز والدلالات القصية.(6) ولعل ذلك يشير إلى أن الأغنية الشعبية بدأت تزاحم القصيدة الشعرية الفصيحة، ذلك أنها أنتجت سائدا غطى زخم الهم الجماعي من ناحية، ومن ناحية ثانية أن الشعر الفصيح بدأ يميل إلى أن يصبح شعر الخاصة، بينما ظلت الأغنية الشعبية أغنية العامة. ونحن نرى أن القصيدة الفصيحة ستظل محافظة على قيمتها الفنية واعتبارها مهما طغت الأغنية الشعبية وسادت. ونميل إلى القول أن مما ينأى بالقصيدة الفصيحة إغراقها في الذاتية في الوقت الذي تعبر الأغنية الشعبية في كل مراحلها عن الجماعة، ولهذا رأينا أن الفصيحة طغت في مراحل مختلفة كانت خلالها معبرة عن الذات الجماعية وهمومها.  

 

3- أنواعها:

 للأغنية الشعبية أنواع كثيرة، تندرج في إطارها، وبعض الباحثين يفرق بين هذه الأنواع وينفي أن تكون كلها يمكن إدراجها تحت تسمية الأغنية الشعبية، إلا أننا نرى أن هذه الأنواع كلها يمكن أن تندرج تحت هذا الإطار لأنه عام ويتسع لها جميعا. وتسميتها ب(الزجل) بنوعيه؛ القصيد والأغاني(7)، يظل أقل شمولية من تسمية (الأغنية الشعبية) لأنها تشمل الزجل والقصيد والأغاني. وتتناول الأغاني الشعبية من حيث الأغراض كل مجالات الحياة الشعبية بكل تفاصيلها ولا تستثني شيئا منها، بدءا من أغاني الطفولة ، والأعراس والعمل والعمال والحصاد والأفراح عموما والحج والدينية عموما …. وغيرها. وفيما يأتي تعريف موجز بكل نوع من الأنواع التي يمكن إدراجها تحت هذه التسمية مع أمثلة لها مما هو في صميم موضوع البحث (الوطنية) مع ملاحظة أن هذا البحث لا يحاول حصر كل أنواع الأغنية الفلسطينية، وهذه أمثلة ونماذج منها وليست جميعها:

 

<!--[if !supportLists]-->أ‌-       <!--[endif]-->القصيد:

ويغنّى هذا اللون عادة بمصاحبة الربابا، ويشيع في البادية وما يشابهها ويقل بل ويكاد ينعدم في المدن، والقصيد شبيه في بنائه بالقصيدة الشعرية العربية ذي الشطرين (العمودية) من حيث التزامها بروي واحد في نهايات أبياتها، ومن حيث قربها من اللغة الفصيحة، وتتميز بأن جمهورها يكون دورهم الاستماع فقط، وإبداء بعض مظاهر الإعجاب بالشاعر (الذي يؤدي القصيد) من حين لآخر. وأشهر ما قيل منها:

سكابا يا دموع العين سكابا          لا تعذبني ما بحمل عذابا

 

 

 

      ب - العتابا:

          العتب هو اللوم(8) واللوم قد يتخذ شكلا حادا وقد يكون بين الأصدقاء وديا، والعتابا المشتقة غالبا من العتب، تندرج في النوع الثاني، فهي مما يكون بين الأصدقاء والأحبة والخلان والأقارب. يتكون العتابا في الغالب من أربع شاطرات يتفق فيه الروي في الشاطرات الثلاث الأولى، وفي الشاطرة الرابعة قد ينتهي بالباء أو غيرها.مثل:   

حبس عكا قلبي اختش منك                شباب كثير شكوا العذاب منك

أنا نذر علي إن طلعت منك                 لحنّي بواب داري والعتــاب

 

 

<!--[if !supportLists]-->ت‌-  <!--[endif]-->الميجنا:

ويتألف فيها البيت من أربع شاطرات الثلاث الأولى متحدة القافية بكلمة ذات جناس مصروف كما سبق في بيت العتابا وأما الشاطرة الأخيرة فتختتم بنون وألف (نا) وهنا يكمن الفرق الأساس بين العتابا والميجنا. وينظم على بحر الرجز وآنذاك تتكرر فيه (مستفعلن) ثلاث مرات في كل شاطرة. يذكر عرقوب آراء في سبب تسميتها، ونرى مع كثيرين أنها منحوتة من عبارة ( يا ما جنى ) تبعا للطريقة التي تؤدى بها؛ إذ يشوب أداءها الحزن وتأتي على إيقاع بطيء، ولهذا أيضا كان ارتباط وثيق بين الميجنا والعتابا بل وبعض الزجالين أنفسهم يقولون بأن العتابا من الميجنا(9). ومن الميجنا:

يا ميجنا ويا ميجنا ويا ميجنا       أصل العتابا من فنون الميجنا    

يا ميجنا ويا ميجنا ويا ميجنا         حيوا الزمان اللي جمعنا ولمنا

يا ميجنا ويا ميجنا ويا ميجنا         عشب القرنفل يا ربيع بلادنا

 

<!--[if !supportLists]-->ث‌-  <!--[endif]-->الدلعونا:

 ولا يختلف عن الميجنا من حيث طريقة التشكيل المتعلقة بالروي، ولكنه يختلف من حيث طريقة الأداء المرتبطة بالإيقاع الخاص، ومنه:

على دلعونا وعلى دلعونا        زغرد يا كلشن يا أسمر اللونا

ونزلت مجموعة من الرفاقي               فلسطيني وسوري  وليبي وعراقي

وقطعوا الحاجز قصوا الأسلاك              وعملوا عملية بكريات شمونـا

 

على دلعونا وعلى دلعونا               زيتون بلادي أحسن ما يكونا

    بالله يا بوي خليني اتعلــم         تا أعرف ديني واعيش مكــرم

   انفع بلادك من غدٍ تسلــم               أحسن من عنب وتين وزيتونا

عـلى دلعـونـة عـلى دلعـونـة بـي بـي الغـربـة الـوطـن حـنونـا
<!--[if !supportLineBreakNewLine]-->
<!--[endif]-->

<!--[if !supportLists]-->ج‌-    <!--[endif]-->ظريف (زريف)الطول:

 و هو من الأغاني المرافقة للدبكة و يرافقها الأرغول أو المجوز أو الشبابة، و هو مثل الجفرة من أصل عربي بدوي. وينظم هذا الغناء على بحر الرمل. ومثاله:


 يا ظريف الطول ارسم يا رسام       صورة لفلسطين وصورة للقسام

       وعيون الثوار والله ما بتام               وعـهـد علينا نحـرر بـلادنا

 

<!--[if !supportLists]-->ح‌-    <!--[endif]-->مشعل: ومنه:

ع الأوف مشعل أوف مشعلاني         أنا ما تبليتو هو اللي تبلاني

 

<!--[if !supportLists]-->خ‌-    <!--[endif]-->اغزيّل: ومنه:

لازمة

بالوحدة والتكتل      راح يصير التحول

نخرق منع التجول   قبل تنادي السماعه

 

<!--[if !supportLists]-->د‌-      <!--[endif]-->هويدلي: ومنه:

لازمة

ع هويدلك يابا ع هويدليا                ضرب الخناجر ولا حكم النذل فيا

 

<!--[if !supportLists]-->ذ‌-      <!--[endif]-->ليا بليا: ومنه:

ليا بليا ويا بنيه     يا وارده ع الميه

أنا والله ما بتراجع     عن الحرب الشعبيه

<!--[if !supportLists]-->ر‌-     <!--[endif]-->جفرا:

 و يترافق هذا النوع من الغناء مع الدلعونا، و يؤدى أثناء الدبكة وتستخدم معها آلة (القصبة) الموسيقية. وأصل أغنية الجفرا يعود إلى القبائل العربية، و تذكر هذه الأغاني في سيرة بني هلال الشعبية. ومثالها:

 

جفرا و يا هالربع جفرا جفراوية          ماشيين حتى النصر على الصهيونية

واحنا شباب فلسطين عنوان للنصر           يالله نهجم ع العدا هجمة جماعية
<!--[if !supportLineBreakNewLine]-->
<!--[endif]-->

<!--[if !supportLists]-->ز‌-     <!--[endif]-->عاليادي اليادي:

ويؤدى من الرجال والنساء على حد سواء، ويقوم على أربع شاطرات، تتفق فيه الشاطرتان الثانية والرابعة في القافية، ويؤدى بطريقة نغمية مخصوصة، ومنه:

ع اليادي اليادي اليادي            بدي غني لبلادي

  قعدة تحت الزيتونه             بتسوا المحيط الهادي

ومنه أيضا:      لاطلع ع راس الجبل            واصيح وانادي

                  واقول يا مرحبا                نسّم هوا بلادي

س-المُعنّى:

ويتشابه مع اليادي في طريقة تشكيله ويفترق عنه في الموسيقا؛ فينظم على بحر الوافر غالبا، وتتعدد شاطراته التي قد تصل إلى عشرين شاطرة خصوصا في المبارزات، لكن المعنّى الأصل يتألف من أربع شاطرات، جميع الشاطرات تأتي على روي واحد وتختلف الشاطرة قبل الأخيرة فقط.( 10) ومثاله :

أنا سيد المعنى والفصاحا                 بها الساحا العذبه وكل ساحا

وسيفي يمسح الأعدا بحدو               مثل ما بتمسح الأرض المساحا

 

 

ش-أبو الزلف:

وهو نوع من الموال الذي يمتاز بطول النفس، ويبدأ عادة ب (هيهات) التي هي اسم فعل ماض بمعنى (بَعُدَ)، ومنه:

هيهات يا بو الزلف عيني يا موليا          ضرب الخناجر ولا حكم النذل فيا

 

ص – السحجة (السامر،الملعب):

     وينظم على مجزوء الرجز إذ تتكرر (مستفعلن) مرتين في كل شاطرة، ومثاله:

بارودينا موزر حديــد             بارودنا يرمي البعيـد

يا شيخنا يا شيخنــا                شيخ المشايخ شيخنا

واللي بحارب شيخنـا              لنقطعه بسيوفنـــا

وقد يزيد عدد التفعيلات، ومنه ما ينظم على وزن البحر البسيط في عروض الشعر الفصيح(11)

ض – الشروقي:

 وهو فن من فنون القصيد البدوي وأشهر طرقه أن تكون لصدور الأبيات قافية واحدة وللإعجاز قافية أخرى مغايرة، والشروقي أقرب ألوان الأغاني الشعبية إلى الشعر الفصيح، وينظم أيضا على بحوره وهذه هي أبيات من قصيدة شروقية تمثل هذا النمط:

يا أيها الناس في جنوب الأرض وشمال           قصة ضياع الوطن بدنا نداويها

 

هذي الُمشكلة عظيمة ع الشعب إجمـال أمور وأحوال كِنكم ما سمعتوها

ومنه أيضا قصيدة أوردها عرقوب عن القدس للشاعر الزجال عوني البرغوثي(12) منها قوله:

يا قدس يا أحلام وردية      يا زهره في جنينه طبيعيه

يا بهجة الوجدان للوجدان    طلعت من الوجدان غنيه

يا لؤلؤة تاهت مع الطوفان     وأخذت معاها النور وعنيه

شفتك وانا نايم وانا يقظان   شفتك وانا بعيون معميه

تيشوف حسنك قاهر المرجان    بدو نظاره تقرب الأبعاد

وبدهن عيونو تقطيب قرنيه

 

ط – الشوباش:

 وهو "موال يقوم بأدائه رجل واحد من بين الرجال الذين يقومون بزفة العريس، وذلك حينما يريد أن يدلل على فرط تأثره وفرحه بالمناسبة، وحينما يضع يمناه على أذنه اليمنى ويشرع في الشوباش يحمله الرجال على أكتافهم ويبدأ الشوباش بقوله: يا واو، ومنه:

لا احنا خواجات يا واو

ولا احنا بياعين العطاره

واحنا في الحرب يا واو

نسبي بنات النصارى"(13)

 

ظ – التهاليل والتشاويق( الدينية):

وتتخذ نمطا خاصا من حيث الأداء، وهي في الغالب تؤدى بمعزل عن الموسيقا، وقد يصاحبها الطبل أو الدف وما يشبهها، ومنها(14):

سلام عليك سلام عليك                      طه يا حبيبي

سلام عليك سلام عليك                  يا عون الغريب

سلام عليك أحمد يا محمد             سلام عليك يا مسكي يا طيبي

سلام عليك أحمد يا ممجد           سلام عليك من زارك يسعد

سلام عليك أحمد يا تهامي          سلام عليك يا خير الأنام

ع – البكائيات:

البكائيات هي من أنواع الأغاني الشعبية التي تقابل أغاني الأعراس التي تعبر عن الفرح و السرور في حين تعبر البكائيات عن الحزن و الأسى و الحسرة.  وهي نصوص ترددها النساء في حالات الوفاة عند البكاء على عزيز مات . و حينما تجتمع النساء في مثل هذه المناسبة فإنهن يشاركن جميعاً في ترديد المراثي الشعبية الدارجة في مجتمعهم سواء في القرية أم في المدينة .و تأتي هذه الترديدات في قوالب موسيقية منتظمة من الشعر الشعبي الذي يقطر حزناً وحسرة لفقد المتوفين . وتحمل هذه الأغاني المرافقة للوفيات ملامح الأدب الشعبي الشفوي التي تنبض بالعراقة ومجهولية المؤلف و السيرورة الشفوية و حكمة الشعوب و تقوم بها النساء أما مجتمعات أو مجموعة متخصصة في هذا اللون من الغناء . و قد كانت هذه البكائيات تسمى بتسميات عديدة حسب نصها كالبكائيات و النواح و الندب و النعي و الرثاء .

فمن الأغاني التي تقال في النواح والبكائيات  :

طلت البرودة والسبع ما طل

يا بوز البارودة من الندى منبل

ما بيني وبينك سنسله ووادي

ما بيني وبينك سِنسله ووادي

وأبعدت غادي ليش يا خيي

وابعدت غادي

في وادي القاعه لقاني فلان

في واد القاعه

طاقم على الساعة مر ميلي

طقم على الساعة

ومن أغاني الندب قولهن :

جيت المنازل هيه مني

كلمتهن ما كلمني

ردوا علي راس مالي

والفايده تحرم علي

لأقعد على حيط عالي

واشكي عن اللي جرالي

ومن أغاني النعي قولهن :

هب الهوى شرق

المصدر: بحث مقدم في مؤتمر التراث الشعبي الفلسطيني هوية وانتماء- جامعة القدس المفتوحة-فلسطين
  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 18 مشاهدة
نشرت فى 28 سبتمبر 2017 بواسطة Dr-Z-Hanani

عدد زيارات الموقع

581