الثقافة والشباب والقرن 21

د/ مراد حكيم بباوي

أستاذ المناهج وطرائق التدريس .م

رئيس قسم التكنولوجيا

المركز القومي للبحوث التربوية والتنمية

 لكل أمة مفاهيم ومعتقدات أساسية خاصة بها ، تحرص عليها ، وتسعى لترسيخها وتثبيت جذورها في شتى المجالات الفكرية ، والاجتماعية ، والسياسية ، وتعمل على المحافظة عليها ، والاهتمام بها ، وتأصيلها في أبنائها ، ومن ثم إيصالها إلى الآخرين باستخدام الوسائل المتاحة كلها . هذه المفاهيم هي ما يمكن أن نطلق عليها اسم الثقافة .

·       المعنى العام للثقافة :

من التعريفات العامة للثقافة :

إن "الثقافة" هي مجموعة الأفكار والعادات الموروثة ، التي يتكون منها مبدأ خلقي لأمة ما ، ويؤمن أصحابها بصحتها ، وتنشأ منها عقلية خاصة بتلك الأمة تمتاز عن سواها ، وتشمل مجموعة من الصفات الخلقية ، والقيم الاجتماعية التي تؤثر في الفرد منذ ولادته ، وتصبح لا شعورياً العلاقة التي تربط سلوكه بأسلوب الحياة في الوسط الذي ولد فيه وهي ذخيرة مشتركة لأمة من الأمم تجمعت لها ، وانتقلت من جيل إلى جيل خلال تاريخ طويل ، و هي مجموعة من العلوم والفنون والمعارف النظرية التي تؤلف الفكر الشامل للإنسان فتكسبه أسباب الرقي والتقدم والوعي . والثقافة هي ما تعكسه حضارة معينة تضم ثمرات الفكر من علم ، وفن ، وقانون ، وأخلاق ، وتراثها الذي تخشى عليه من الضياع والاندثار ، وفكرها الذي تود له الذيوع والانتشار.

ومن المعلوم بداهة أن الثقافات تتعدد ، وتختلف باختلاف المبادئ والتصورات الفكرية لدى الأمم . وبالتالي فإنه يمكننا القول أن الثقافة هي :

حصيلة مقومات شتى تكون في النهاية صورة معينة ، وشخصية خاصة لأي أمة ، بكل ما تحمله من تصورات ، وأفكار ، وآمال ، وتطلعات .

إن ثقافة كل أمة تشكل عناصر مهمة:

أولاً  بالنسبة لأفراد الأمة : فإن الثقافة وثيقة الارتباط بالإنسان ، لإكمال شخصيته من النواحي المادية الفكرية والمهارية والروحية والوجدانية.

ثانياً بالنسبة للمجتمع :إن الثقافة عميقة الصلة بالمجتمع ، لأنها تحوى عناصر الفكر ، والتصور ، والاعتقاد التي تشكل بدورها الأرضية الفكرية للبناء الأخلاقي ، وتركيب شخصية الفرد بنواحيها العقلية ، والنفسية ، والروحية ... لذا ، فقد اهتمت الأمم عبر تاريخها بنشر ثقافاتها ، وحمايتها من الانصهار في غيرها من الثقافات ، أو السماح لغيرها بالحلول محلها .

فالثقافة : إذاً هي معرفة ، ومواقف ، وعاطفة ، وأسلوب حياة ، وهي تعد الإنسان للحياة الحضارية التي يتمناها ، وتعينه على التطور .

فالمعرفة مادة العلم ، والعلم هو الطريق إلى إيجاد عقلية مؤهلة لتلقي الثقافة .

الثقافة عملية مستمرة ومصاحبة لتجربة الانسان المتطورة مع تطور الفكر الإنساني ،
 الذى تقوم وظيفته على مايلى :

الموقف الحدسى: وهو أن الموضوع الماثل أمام الإنسان يوقف عمليات البرهنة والاستدلال العقلى , ويدفع إلى الحدس المباشر والعيان الملموس ؛ فيميل إليه أو ينفر منه.

الطابع العاطفى: أوالوجدانى أى أن الموضوع الماثل أمام الفرد غير فيه أحاسيس وانفعالات خاصة .

التداعى: وقد تنبه هذه الانفعالات ذكريات ماضية للإنسان فيشعر بالتأثر .

التقمص الوجدانى: أو التوحد وهو أن يضع  الإنسان نفسه موضع الأثر الثقافي ؛ فتتحقق بينهما مشاركة وجدانية ؛ وهذا هو ما يجعل هناك مشاركة وجدانية لشعب أمته لألامهم وأفراحهم , ويظهر على قسمات وجوهنا ما يشير إلى تفهمنا لمواقف ألأبطال وتوحدنا معهم .

الثقافة الحقيقية هي التي تفيد الإنسان بصورة عملية ، وتؤهله للتفاعل مع بيئته ، ومجتمعه ، وحضارة عصره ، وبالتالي تعينه على حل ما يواجهه في حياته من مشكلات دون أن يفقد توازنه الداخلي، و أصالة انتمائه ، أو يعاني من تناقض بين واقعه وحاجاته .

ولو شئنا أن نطبق هذا المفهوم على واقع مجتمعنا المعاصر ، لنرى مدى تحققه من ثقافته ، وارتباطه بعصره ، وهل هو مجتمع مثقف أو أنه يعاني من مشكلة وأزمة ثقافية ؟

الوظيفة الإلهامية لفلسفة الثقافة :

§                 أنها تستمد مقوماتها القيمية من مثل عليا أساسها العقيدة بما يحقق خير الإنسان .

§                 أنها تعتمد على إيجابيات وقيم الثقافة المتوازنة .

§                 أنها تحقق القيم الإنسانية المؤكدة للفضيلة القائمة على احترام المبادئ والأخلاق .

§                 أنها تستند إلى القيم بأشكالها الإيجابية فى الفكر والفن والحياة .

                  وتدعم " الثقافة" الشباب بما يلي:

§       تحسين طرائق تشكيل سلوك الإنسان ، ورفع مستوى معالجة المشكلات عن طريق ممارسة العمل و العلم والفن وتذوقه .

§                 أنها رؤية قائمة على التوقعات والاحتمالات بحلول فكرية أساسها الإبداع المتجدد.

§                 البحث عن معانى الحقائق الكامنة خلف المدركات والرموز والأشكال .

§       البحث عن قيم الحقيقة والعدالة والفضيلة فيما وراء الأشياء المنظورة وبنائيتها الجمالية فى الطبيعة والنفس والحياة .

§       القراءة البصرية والروحية والفكرية لآيات الجمال الربانى فى الطبيعة ، والموروث الثقافى المتناقل عبر الأجيال للوقوف على غير المتطور ، لتسهم فى تطوير الشخصية والهوية النفسية.

§                 من خلال إخصاب المدركات تنمو التخيلية الجمالية لتحقيق الإتزان الإنفعالى .

§                 الاستثمار الأمثل للقدرات العقلية العليا لتنمية الإلهام الفنى .

§                 عقد علاقة طيبة مع النفس والبيئة من خلال تفريغ الشحنات النفسية .

                  حيث أنه:

§                 لم يعد القلم هو الأداة الوحيدة للتعبير.

§                 لم تعد الفرشة الأداة الوحيدة للرسم.

§                 لم تعد المكتبة والكتاب المصدر الوحيد للإطلاع والمعرفة.

§                 لم يعد الفكر الفردي أساس العمل، بل الفكر الجماعي.

§                 لم تعد الطائرة والسيارة والتليفون هم الأدوات الوحيدة للمواصلات والاتصالات.

§                 لم تعد الحقيقة هي المكون الأساسي للحياة.

1لاحتياج التربوى للثقافة

إن القوى المعرفية للإنسان ، وقدراته ، ودوافعه ، ونزعاته ، وقوته الجسمية ، وقوة إرادته وحاجته إلى انتمائه للجماعة ، وتحقيق هذا الانتماء .. كل هذه الجوانب من طبيعة الإنسان ، وهى تختلف من فرد إلى آخر تبعاً للفروق الفردية بينهم ، وهو ما يؤثر فى حياته وتصرفات كل منهم ..

ومهمة التربية هنا أن تنمى كل هذه الجوانب لصناعة "خرائط معرفية" ثقافية بمقادير مناسبة لاهتمامات وقدرات كل فرد ، وهى معرفة يجب أن تكون متنوعة وغنية فى اتساع أفقها ، وفى عمقها ، لذا فيجب التنويه إلى أبعاد تربية الإنسان والمتمثلة فى :

العمليات العقلية :

وهى ليست قاصرة على الجوانب المعرفية فقط ، إذ لابد من تنمية القوى العقلية لدى الفرد ، كقوة الملاحظة الموضوعية الدقيقة ، وفهم وتنظيم ما يلاحظه ، واستخراج الحقائق وتبويبها ، وحل المشكلات والوصول إلى أحكام سليمة بناء على الأدلة والبراهين .. ويمكن تدريب هذه القوى العقلية بالبحث والتدريب ، حيث يمكن اكتشاف الحقائق عن طريق (التعليم بالعمل) .

العمليات النفسية للثقافة :

إن مجموع سلوك البشر على مر السنين ، هو الذي يحدد السلوك الاجتماعي ، وعليه فإن سلوك الشخصية مرتبط بالعلاقات الاجتماعية العامة والحياة الثقافية فى الحاضر والماضى ،والسلوك الشخصي مرتبط بالتدريب والتربية والاشتراطات الفسيولوجية للإنسان.

أهمية التربية في إثراء الثقافة :

تتعامل التربية مع كائن بشرى ينمو تدريجياً فى كافة الجوانب، والدولة عندما تعلمه (تتيح له فرصة ممارسة أنشطة  يمكن أن تثمر بجوانب ثقافية تراكمية جديده)

 فهى تستثمرة الشباب و تعدهم لتحمل أعباء الغد، ليلعب كل فرد دوراً فى الحياة الاجتماعية أو الثقافية أو السياسية أو غيرها.

1. التفكير من خلال مشكلة ، والتجريب والتحقق من صحة الحلول 0

2.  فهم الأفكار العلمية والتكنولوجية واستخدام الأدوات بمهارة 0

3.  استخدام " التخيل " لإيجاد حلول غير نمطية (تشعبية )0

4. تنمية القدرات المعرفية العليا لدى الشباب 0

 5. تدريب الشباب كيفية التعلم باستقلالية 0

6. تمكين الشباب من تكوين النظرة الشاملة للعلم ، من خلال المفاهيم الأساسية المترابطة والمتشابكة له وتفسير وتحليل الظواهر الطبيعية التى يحيا فيها ، بما يخدم مجتمعه ووطنه ، والذي ربما تكون لبنة للتراكم الثقافي لأمته.

وإذا كان للتحضر دور فى بناء الحضارات وإذا كان ذلك متوقفاً على مدى تقدم المجتمعات والارتقاء بالمفهوم الإنسانى فإن وسيلة ذلك تهذيب الإنسان والارتقاء به تربوياً، فيزداد الخيال الذى يؤثر بدوره فى سعة الإبداع الإنسانى وهذا يأتى :

كلما أمكن التعمق فى قراءة التاريخ الثقافي المرئي لتجارب الشعوب من خلال الفن .

وكلما أمكن إثراء المعرفة.

 ومن الضرورى قراءتها ومعايشتها للوقوف على الدوافع والمتغيرات الاجتماعية والثقافية وما تحمله من قيم من أجل فهم حياتنا وحياة الآخرين .

وتتعدد أساليب تنمية وتعديل سلوك الإنسان تجاه ثقافته من خلال ما يأتى:

التعمق فى دراسة مكونات البيئة وجمالياتها.

الزيارات الميدانية للمتاحف والمعارض وأماكن التراث.

 زيارة أكاديميات الفنون والنقد الفني.

أهتمام الإعلام الثقافى للارتقاء بالذوق الأدبي و الفني والجمالي.

تدعيم الأنشطة الإنسانية فى جميع المؤسسات الثقافية ، كالندوات والمحاضرات وورش العمل.

قراءة العمل الفني

§                 الحقيقــــــة:

§       هي جوهر الأشياء في الواقع أو الغيب ، وتحمل في طياتها المعانى والمدركات (المفاهيم) ، والمواصفات المثبتة لهذا الجوهر، مؤكدة بما لا شك فيه الشكل والمضمون الذي يلتمسه الإنسان من خلال مداخل المعرفة لديه وهي

( البصر واللمس والشم والسمع والذوق )

بالإضافة للوجدان.. والاحساس والشعور ...

ينطلق أصحاب هذا الرأي من الواقع الملموس، ويحاولون تشكيل حل المشكلات أو الأزمة من جانبها الموضوعي، وذلك باسترجاع قيمة العقل المغيب ودفع الإنسان للتفكير لإعادة تركيب واقعه، والسيطرة عليه، وبالتالي تحويله من الثبات إلى الحركة والتغيير.

§                 إن الشخص المبدع في أي مجال من مجالات الإبداع لا بد أن   

 يمتلك قدرة (الخيال) كي يبدع إنتاجًا منفردًا غير مسبوق .

 وحقيقة الأمر أن المبدع يستطيع أن يجسد أخيلته في أعمال إبداعية مبهرة، لأنه في تطلعه الدائم نحو استشراق المستقبل إنما يفعل ذلك عن طريق الخيال، فهو ينسج ذلك المستقبل على النحو الذي يريده أو يستهويه.

§       و” الخيال العلمي أو science fiction ” هو الانتقال عبر آفاق الزمن، على أجنحة الحلم المزين بالمكتسبات العلمية،والخبرات الحياتية ، وغالبًا ما يطرق مؤلفوه أبواب المستقبل بتنبؤاتهم دون زمان محدد ... وهو ما نطلق عليه (الخيال الخصب)

 وكلما كان الخيال المستقبلي عند شخص ما أكثر خصوبة واستمرارية وتدفقًا كانت الحصيلة الحياتية الفعلية أكثر إيجابية..

 على العكس من الشخصيات العادية التي حرمت من نعمة الخيال المستقبلي، وركنت إلى الواقع فحسب لتظل حبيسة هذا الواقع تتنفس الرتابة والخمول.

§       وبقدر ما ينجح الإدراك في التحكم الواعي الموضوعي بتناقضات هذا  الجوهر والسيطرة عليها، ومن ثم تغييرها، أو تحويل وجهتها، يستطيع أيضا أن يرتفع فوقها، وأن يكون عاملا مستقلا في التغيير، قادراً على إعادة تركيب هذا الواقع تركيبا منتجاً، في الذهن أولا، ثم في الحقيقة والواقع فيما بعد، محققاً العلاقة بين الحقيقة والخيال منتجاً ( فناً).

 

  • Currently 3/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
3 تصويتات / 270 مشاهدة
نشرت فى 24 نوفمبر 2012 بواسطة DMouradBebawy

ساحة النقاش

مؤسسة دعم الحوار والعدالة الاجتماعيةSEDAF

DMouradBebawy
»

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

2,685