تحتدم عدة معارك وصراعات، في جوف كل منا نحن البشر، في الشعور واللاشعور، بعضها فطري والآخر مكتسب، فإذا ما سلمنا بأن كل إناء بالذي فيه ينضح، فهل الصراعات والحروب التي تدور على الأرض نتيجة لها ؟ أم أنها لأسباب دينية وقومية ومصالح عليا للبلدان؟

 

    يؤكد أفلاطون اثر الصراع النفسي، على التعامل مع الآخرين من خلال نصيحته " كن لطيفاً، لأن كل شخص تقابله يقاتل بشراسة في معركة ما " ويؤثر من جهتين الأولى : على كيفية فهم وتفسير الأحداث وتوجيه الحوار، والثانية على اللغة وخصوصاً غير المنطوقة، حيث يعتقد علماء النفس " بأن 60 % من حالات التواصل تتم بصورة غير شفهية، أي عن طريق لغة الأجساد، الإيماءات والإيحاءات " كعلامات الغضب والحب والكراهية وغيرها.

 

    يبدأ الصراع في المراحل الأولى للنمو حينما تصطدم الغرائز (الجنسية والعدوانية) والتي ليس لها صله بالمنطق أو الأخلاق، بجملة من " الممنوعات، العيب، الحرام " أما المرحلة الثانية والأشد تأثيراً عندما تفشل الأنا وهي في صغرها من التوفيق بين لائحة الممنوعات والرغبات غير المقبولة التي يتسبب ظهورها بمشاعر مؤذية للذات، فيتم كبتها، وتظل في صراع دائم مع آليات الكبت والقمع.

 

    بؤرة أخرى للصراع تتمثل في الانجرار وراء إغراء التقنيات والتقدم العلمي، والذي لم تقتصر نتائجه كما يشير مكروم [على أن يوفر للإنسان شروط حياة أفضل، بل جاوزت ذلك إلى تغيير ملامح الوضع البشرى نفسه، وإلى توليد رغبات وشهوات جديدة للإنسان] ربطته بالمقتنيات والتقنيات، بما فيها من مسخ للهويه، والمزيد من الشعور بالاغتراب، وفي المقابل تبرز رغبة أخرى، تتمثل بالحنين إلى أصله وجذوره، إلى الماضي ببساطته وعفويته وسحره، إلى براءة رفاق طفولته والى حضن أمه.

 

     صراع بين نزعة خير، تسعى لتحقيق الذات، خليفة الله في أرضه، لتنفذ من أقطار السماوات والأرض وتحيي القيم، لوقف رعب الحروب ونشر السلام والرفق بالحيوان، لبناء مُجَسَم في الأرض للجنة، وبين نزعة شر، كانت ثانوية لتلبية نزوات أو رغبات إنسانية، وإن بطرق غير مشروعة، لكنه مواكبتها للتطور في بقية المجالات، حولتها إلى محض شر، فأجهزت على القيم والأخلاق وهوية الإنسان.

 

    قتال متواصل بين جهاز المناعة، ومختلف الأجسام الغريبة، التي تهاجم الجسم في كل حين، وتعتبره المرتع الأساسي لها.

 

    صراع بين روح تود أن تطير إلى أحلامها، وجسد مكبل بالقيود، أو كما يشير مصطفى محمود " الإنسان في صراع، مادته وترابه يشدانه إلى تحت، وروحه تشده إلى فوق صراع بين عدم، ووجود"

 

    وجود أكثر من أنا داخل الإنسان "النفس ألأمارة بالسوء، واللوامة، والمطمئنة، وغيرها" وكذلك العقل والقلب، كثيراً ما تصطدم مع بعضها.

 

    نخلص إلى تعدد بؤر الصراع والتوتر لدى كل إنسان، قد تزيد أو تقل وفقاً لعدة عوامل مثل الوراثة والتربية وغيرها، وقد تزيد شدتها لدى البعض ليتحول إلى مفاعل مصغر، إما أن يُستغل للنفع كما يعَمِلَ العلماء والخيرين، أو لإنتاج الحروب والفساد، وما يترتب عليها من إزهاق لملايين الأرواح في مذابح وتصفيات عبثيه على مر العصور، الأمر الذي يؤكد مدى حاجة البشرية إلى الاهتمام بالمصحات والتربية أولاً ثم التعليم ثانياً، بدلاً من الإنفاق على التسلح والحروب، وكفى الله المؤمنين القتال، مع النفس ومع خلق الله.

 

مقال منشور في :

مارب برس : https://marebpress.net/articles.php?lng=arabic&id=41347

 

 

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 54 مشاهدة
نشرت فى 19 فبراير 2016 بواسطة D-Abdullah

د.عبدالله حسن

D-Abdullah
»

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

732