سواق الأتوبيس 1982

 

 

سيناريو وحوار : بشير الديك ـ قصة : محمد خان ـ تصوير : سعيد شيمي ـ مونتاج : نادية شكري ـ موسيقى : كمال بكير ـ إنتاج : هادس للإنتاج والتوزيع ـ تمثيل : نور الشريف + ميرفت أمين + عماد حمدي + صفاء السبع + نبيلة السيد + حسن حسنى+  وحيد سيف .

 

 

     يتناول فيلم (سواق الأتوبيس) ذلك التفكك الأسري والتفسخ الأخلاقي إزاء التغير المفاجئ في العلاقات الاجتماعية في عصر الانفتاح . والفيلم لا يعتبر من أهم أفلام الانفتاح فحسب ، وإنما يعد علامة بارزة في تاريخ السينما المصرية . ويكفي أنه اختير من بين أهم عشرة أفلام قدمتها السينما المصرية على مدى تاريخها الطويل . هذا إضافة إلى حصوله على عدة جوائز ، أهمها جائزة التمثيل الذهبية لنور الشريف في مهرجان نيودلهي السينمائي الدولي .

 

     يبدأ الفيلم بمشهد استهلالي ، يظهر فيه سواق الأتوبيس حسن (نور الشريف) ، وهو يتنبه لحادثة سرقة في الأتوبيس ، فيهم بمطاردة اللص ، ولكنه يتوقف لحظة ويتابع السير بلا مبالاة ، تماماً مثل الآخرين . ونهاية الفيلم ـ أيضاً ـ تكون بمشهد مشابه لحادثة مشابهة ، إنما موقف حسن يتغير هنا ، ويصبح أكثر جرأة وضراوة ، إذ يقفز من مقعده ليطارد اللص حتى يقبض عليه . وبكل الألم والمرارة والغيظ الذي يعتمل في داخله ، ينهال على اللص باللكمات وهو يلعنه ويلعن الآخرين ، في صيحة غضب مدوية . ترى ماذا حدث لحسن من تغيرات ما بين الحادثتين ؟  ففعل السرقة واحد .. هذا ما ستجيب عليه أحداث الفيلم ما بين الحادثتين .

 

     في فيلم (سواق الأتوبيس) نحن أمام شخصية ندر تناولها في السينما المصرية من قبل . فحسن شاب أنضجته أربع حروب خاضها بالتوالي ، حرب اليمن وحرب 67 ثم حرب الاستنزاف وحرب 73 . وبالتالي فهو شاب عاش أجمل سنوات عمره بين البارود والنار يواجه الخطر في كل لحظة . وبعد عودته إلى أهله ، كان عليه أن يخوض حباً أخرى حياتية .

 

     إنه الآن متزوج من الفتاة التي أحبها وأحبته (ميرفت أمين) ، بالرغم من معارضة والدتها . وكانا قد تعاونا لتوفير حياة سعيدة مع ابنهما . لكن .. هل انتهت المعارك بالنسبة لحسن ؟ لا .. فهناك أشرس معركة قدر لحسن أن يخوضها .. إنها معركة أسرية تدور بينه وبين أخواته البنات وأزواجهن . فورشة الأخشاب الخاصة بوالده الحاج سلطان (عماد حمدي) على وشك البيع في المزاد العلني ، فالكل يريد الإصطياد في الماء العكر ، حتى زوجة حسن . صحيح بأنه ينجح في تدبير المبلغ المطلوب لمنع البيع ، بعد كفاح مرير مع الجميع وبمساعدة رفاقه في الحرب ، إلا أن ذلك لا يتم إلا بعد فوات الأوان .. أي بعد وفاة الوالد .

 

     هذا ما حدث بين حادثتي السرقة ، صراع شخصي للمحافظة على القيم الأخلاقية  والتقاليد الإجتماعية الأصيلة ، ومحاربة ما أفرزته مرحلة الإنفتاح من قيم إستهلاكية . وهذا ما جعل حسن يتحول الى إنسان إيجابي عندما يرى حادثة السرقة في نهاية الفيلم ، حيث يطارد اللص هذه المرة ، ويصرخ في المتفرج ليقول بأن التفسخ والفساد الإجتماعي الذي يعيشه المجتمع هو نتاج سلبيتنا جميعاً .

 

     إن المعركة الإجتماعية التي خاضها حسن قد حققت إنتصاراً رئيسياً ، حيث إكتشف حسن فرسان المعسكر الآخر .. معسكر الشرفاء ، أخته المتعلمة وزوجها المثقف ، زميل العمل الكمساري المهذب والإنسان ، وبقية رفاق الحرب القدامى ، والذين تشتتوا كل منهم في مكان يبحث عن رزقه . إنما حين إلتقوا جمعتهم الذكريات في مشهد بالغ الرقة والشفافية مشهد يتجمع فيه رفاق السلاح في نزهة خلوية عند سفح الهرم في ليلة قمرية وصدى أغنية قديمة لعبد الحليم حافظ تتردد من مذياع السيارة حتى تتلاشى تدريجياً ، وليبدأ توزيع جديد لنشيد بلادي في إيقاع حزين .. فهم جيل من الشباب أعطى وضحى وعاش لحظات البطولة والإنكسار ، وجمعهم المعدن الأصيل ، الرجولة والشهامة . كما إكتشف حسن في معسكر الشرفاء فارساً قديماً ومقاتلاً عنيداً آخراً ، لم تتح له ظروف الحياة ومتطلباتها منذ زمن أن يختبر معدنه وصلابته .. إنه حسن نفسه ، حيث يتحول من بطل سلبي لامبال في بداية الفيلم الى بطل إيجابي يحارب السلبية المتفشية في المجتمع في نهاية الفيلم .

 

     إن سر نجاح فيلم (سواق الأتوبيس) هو أنه يحدثنا عن الأشياء العادية التي يتصور البعض بأنها ليست موضوعاً للسينما . ثم أن الفيلم قد تحدث عنها بمرارة وبوعي وصدق وحرارة ، دون الوقوع في المباشرة . لذلك فإننا نظل مشدودين في متابعة الأحداث حتى النهاية . وقد لا يختلف إثنان على أننا أمام فيلم ينتقد بقوة ذلك الخراب الذي حل بالإنسان المصري العادي في عصر الإنفتاح ، لكن أليس بغريب من أن كلمة الإنفتاح لم ترد في حوار الفيلم ولو لمرة واحدة . وهذا ـ بالطبع ـ دليل واضح على أن الفيلم قد تحاشى جاهداً تقديم مواعظ وخطب رنانة ومباشرة عن الشرف والأمانة والوطنية . وعلى العكس من غالبية الأفلام التي تناولت مرحلة الإنفتاح ، ففيلم (سواق الأتوبيس) لم يبذل المجهود المعتاد في إبتكار أحداث كبيرة أو أشخاص ذوي شأن ، بل صب كل الإهتمام في تأمل التطورات والتغيرات الدقيقة في الأخلاقيات والمشاعر ، وكذلك الروابط العائلية والآثار النفسية المترتبة منها . وكم هو صعب حقاً الإبداع في هذه المنطقة الوعرة .

 

     وفي ختام حديثنا عن (سواق الأتوبيس) لابد من الإشارة الى أنه ـ إضافة الى السيناريو المتميز والطليعي ـ قد توفرت للفيلم كافة الإمكانيات الفنية والتقنية حتى يظهر بهذا المستوى الفني المتميز .

مجلة البحرين

28/10/1992

المصدر: عن ثنائية القهر/التمرد فى أفلام عاطف الطيب بقلم حسن حداد
Cinema

SFG

  • Currently 116/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
39 تصويتات / 1176 مشاهدة

ساحة النقاش

عدد زيارات الموقع

37,018