التربية والتعليم كلمتان اعتدنا سماعهما، مترادفتان في الكثير من المواضيع التربوية ولا يفرق بينهما الكثير، مع أن لكل منهما معناها الخاصّ بها، ولها وسائلها المختلفة، في هذا الموضوع سنقف على الحد الفاصل بين الكلمتين، بل سنسافر عبر الحدود بينهما لنصل التعليم بالتربية ونكتشف معالم كل منهما.

التربية في اللغة: مأخوذة من ربي ولده، والصبي يربيه، رباه أي أحسن القيام عليه حتى أدرك، فالتربية بمدلولها اللغوي، تعني تعهد الطفل بالرعاية والتغذية المادية والمعنوية حتى يشب، هناك تعريفات كثيرة للتربية عرفها الفلاسفة والمختصون، فقد قال أفلاطون": "التربية هي إعطاء الجسم والروح كل ما يمكن من الجمال، وكل ما يمكن من الكمال"، وقال "أرسطو": "الغرض من التربية هو أن يستطيع الفرد عمل كل ما هو مفيد وضروري في الحرب والسلم، وأن يقوم بما هو نبيل وخير من الأعمال ليصل إلى حالة السعادة"، كما أن مفهوم التربية مر بعدد من التعاريف وتطوّر بأشكال عدة، فعند الإنسان البدائي كانت التربية لا تتعدّى مجرد الإنسان البدائي كانت التربية لا تتعدّى مجرد تعلّم الصيد لسد حاجة الإنسان من الطعام والالتزام بمبادئ القبيلة، أمّا الآن فأصبحت من المواد التي كتبت فيها ملايين من الأبحاث والكتب والدراسات وعقدت فيها الكثير من الدورات، ومازالت علماً واسعاً يبحر فيه المختصون.

ونستطيع أن تعرف التربية أيضاً على أنّها تحقيق التوافق والإنسجام بين الفرد وبيئته المادية والروحية، أمّا أساليب تحقيق التربية لأهدافها فهي تختلف من مجتمع لآخر.

أمّا التعلّم فهو حاجة طبيعية في البشر فالطفل يحب أن يكتشف ما حوله بالرغم من صغر سنه، ويبدأ في طرح الأسئلة بمجرد أن يلم ببعض المفردات اللغوية، والتعليم هو إيصال المعلومة إلى العقل، وهنا يأتي دورنا كوالدين في توفير البيئة السليمة التي تمكن الطفل من أخذ المعلومة الصحيحة، والتي تتناسب مع مستوى إدراكه وعمره.

ومن هنا، يتضح لنا أن التربية ما هي إلا إستكمال للعملية التعليمية، فإن كنا نستطيع أن نشبه التعليم بدراسة المادة النظرية، فالتربية هي التطبيق لتلك الدراسة ومتابعة ما تم تعلمه، أي أن يكون هناك رابط بين العقل (المتلقي) وما يتلقاه من علم والقلب (المنفذ) وما يستقر به ويفرضه على باقي الجوارح.

- التربية والتعليم في الإسلام:
"كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، الإمام راع ومسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها، والخادم راع في مال سيده ومسؤول عن رعيته، وكلُّكم راع ومسؤول عن رعيته" (متفق عليه).

في هذا الحديث يوجز رسولنا القدوة حالنا مع صغارنا، فهم مسؤوليتنا والمسؤولية هنا تتضمن التربية والتعليم، والتي سنساءل عن إتقاننا لها تجاه أبنائنا، وهذا ما أدركته أُم سفيان الثوري عندما قالت له: "يا بنيَّ اطلب العلم، وأنا أكفيك بمغزلي، يا بنيّ إذا كتبتَ عشرة أحرفٍ فانظر هل ترى نفسك زيادةً في خشيتك، وحِلْمك، ووقارك؟ فإن لم ترَ ذلك، فاعلم: أنّها تضرك ولا تنفعك". هذه المرأة المسلمة تؤسّس للتعليم والتربية قاعدة كبرى، أي لا نفع للعلم بدون عمل ولا قيمة له بدون أثر في السلوك.

قال عبدالله بن مسعود: "كان الرجل منّا إذا تعلم عشر آيات لم يجاوزهنّ حتى يعرف معانيهنّ والعمل بهن". وقال الحسن البصري: "والله ما تدبره من حفظ حروفه وأضاع حدوده، حتى أن أحدهم ليقول: قرأت القرآن كله، ولا يُرى للقرآن عليه في خلق ولا عمل".

في مقالنا هذا لن نقيم مناهجنا المدسية ولا طرق التدريس المتبعة في معاهدنا ولا مخرجات مراكزنا العلمية، ولكنّنا سنركز على النواة الحقيقية للمجتمع، أسرنا الصغيرة"، سنضع بعض أفكار تجمع التعليم بالتربية لتبدأ رحلتنا في بناء الشخصية التي نريد والأمة التي نحلم.

- خطوات نحو الحلم:
1- "كان خلقه القرآن": كان هذا رد عائشة عندما سألت عن خلقه (ص)، فالقرآن هو منهجه وكتابه وسيرته هي التطبيق العملي لهذا المنهج، ولهذا كان هو القدوة لأصحابه الذين أطاعوه وساروا على دربه، فالمعنى الحقيقي للقدوة هو أن تطبق ما تقول وتنصح به، وإذا كان العمل يعاكس القول سقطت هذه القدوة ولم يكن هناك فائدة من التعليم، ونحن في داخل منازلنا نكون تحت مجهر الصغار يقيمون ما نفعل ويقيسونه مع ما نقول، فإذا اتفق القول وما نعلمهم إيّاه مع ما نفعله كانت العملية التربوية ناجحة وآتت ثمارها وامتدت لسنوات في حياة الصغار، قد يكون الآباء على مستوى من الخلق غير ما ننشده، ولكن ترى لهم أبناء يتصفون بكل الصفات الحميدة، وإذا بحثت ستجد أنّ الصغار قد كرهوا الشخصية غير السوية التي يرونها تتمثّل في أحد الوالدين وبحثوا لهم عن قدوة يمتثلون بأفعالها، أو أن أحد الوالدين حل محل كليهما وكانت شخصيته من القوة بحيث أشبعت ما يحتاجه الطفل أثناء عملية تعليمه وتربيته والمشكلة تكمن إذا وجد الصغار قدوة سيئة وساروا وراءها وامتثلوا بأوامرها فكانت هي لهم المعلِّم والمربّي.

2- الأولويات في حياتنا: ترتيب الأولويات شرط أساسي في نجاح أي مخطّط، ولهذا تذكر دائماً أن صغارك مقدمون على أصدقائك وعلى زياراتك الخاصّة وعلى الكثير من الأمور الأخرى التي قد تستهلك وقتك دون أن يكون لهؤلاء الصغار نصيب وافر منه، وليس معنى هذا ألا تعتني بنفسك وترفه عنها أو أن تمارس هواياتك ولكن القسمة العادلة هي التي توفر لك جواً أسرياً آمناً وتربية لصغارك عادلة، وهذا الوقت بالطبع لن تقضيه مع الصغار كأنّه أداء واجب، ولكنّك ستتمتع به معهم سواء علمتهم أموراً جديدة أو تعلمت معهم خبرات جديدة وطبقت ما قرأته وعشته معهم كواقع عملي.

3- روح الفريق الواحد: هو ما تحتاجه أسرتك وكل ما يدعم من قوة الفريق حاول أن تمارسه، كأن تتفقوا على قرار معيّن يهم الأسرة، أو تتناقشوا جميعاً في أمور تحدّد مسار سير الأسرة، أعط الصغار فرصة للتحدّث وراقب أفكارهم وقارنها مع ما علمتهم إياه وإذا وجدت بعض الإختلافات قيّمها، فإن كانت للأفضل ادعمها وإن كانت غير ذلك حاول تقويمها.

4- التعبير عن المشاعر: لا يكفي أن نحبهم ونتوقع منهم أن يدركوا هذا، بل عبر عن هذا الحب بأشكال مختلفة سواء بالكلمة أو الهداية أو التشجيع أو منحهم من الوقت والإهتمام ما يستحقونه أو تعليمهم أمور الحياة بأن تعيشها معهم، فلا تنهر عند الخطأ، بل تحاول أن تدعهم يتعلمون من أخطائهم وتدعم نجاحاتهم بما تملك من طاقات.
5- تحمل المسؤولية واتخاذ القرار: من الأمور المهمّة جدّاً في تنشئة الصغار، فالحياة مليئة بالأمور التي يجب أن نتحمل مسؤوليتنا تجاهها وفيها الكثير من التحدّيات التي علينا مواجهتها والكثير من القرارات التي يجب أن نتخذها لنحدّد شكل الحياة التي نعيشها، وطريقة تعليم تحمل المسؤولية واتّخاذ القرار تعتمد على إعطاء الصغار مهام تتناسب مع عمرهم وتشجيعهم على إنجازها، ومنحهم الفرصة ليختبروا الحياة ويتّخذوا القرارات المناسبة حتى ولو كانت بسيطة ولا تهرع دائماً لمساعدتهم في كل الأمور.

6- بيئة آمنة: الأمان مهم وأن يشعر الصغار بالراحة ممّا يجعلهم على إستعداد لتقبل ما يملى عليهم والعمل به في بيئة آمنة، وهذا الأمان يكون عندما نحترم خصوصياتهم وأشيائهم الخاصّة، وهذا الأمان يكون عندما يتفاهم الوالدان بهدوء أثناء خلافاتهم وإن كان ولابدّ من الصوت العالي فليكن بعيداً عن آذان الصغار، هذا الأمان يحدث عندما تكون هناك قنوات إتّصال مفتوحة بين الصغار والوالدين بحيث يلجؤون إليهم عند الحاجة للشعور بالأمان وأخذ المشورة، هذا الأمان يأتي عندما يجد الصغار أنّ الوالدين يضعان حدوداً لكل شيء في حياة الأسرة وإن تذمروا في البداية إلا أنّهم في داخلهم سيشعرون أن هذه الحدود ما وضعت إلا بسبب الحب ورغبة في حمايتهم.

7- خبرات الحياة: من المصادر المهمّة للتعليم خبرات وقصص الآخرين وهذا بالتأكيد يشملك كأب أو كأُم وكجد وكجدة، فمثل تلك الخبرات والقصص تعلمهم وتربّيهم في نفس الوقت فهي دليل واقعي يستمد منه الخبرة في الحياة.

نحن بحاجة إلى أن نعلم ونربّي معاً والتحدّيات التي سنواجهها كثيرة، ومنها ما قاله أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه حيث قال: "لا تخلقوا أولادكم بأخلاقكم فقد خلقوا لزمان غير زمانكم"، فلا يكفي أن نعلِّم ونربّي بل علينا أن نطوّر من أنفسنا ووسائل تربيتنا لنربّي جيلاً يملك الوسائل التي يحتاجها ليشق طريقه في هذا العالم ويكتشف أسراره ويبني مستقبله ومستقبل أُمّته.

المصدر: مقالات
Al-Resalah

الرسالة للتدريب والاستشارات.. ((عملاؤنا هم مصدر قوتنا، لذلك نسعى دائماً إلى إبداع ما هو جديد لأن جودة العمل من أهم مصادر تميزنا المهني)). www.alresalah.co

  • Currently 30/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
10 تصويتات / 465 مشاهدة
نشرت فى 3 مايو 2011 بواسطة Al-Resalah

ساحة النقاش

الرسـالة للتدريب والاستشارات

Al-Resalah
مؤسسة مهنية متخصصة في مجالات التدريب والإستشارات والبحوث والدراسات، وتُعتبر أحد بيوت الخبرة متعددة التخصصات في العالم العربي.. ومقر الرسالة بالقاهرة.. إن الرسالة بمراكزها المتخصصة يُسعدها التعاون مع الجميع.. فأهلاً ومرحبا بكم.. www.alresalah.co - للتواصل والإستفسارات: 00201022958171 »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

1,566,260