المطلب الأول: المسافة التي يجوز فيها القصر
أولًا: المالكية
المرجع: الشرح الكبير للدردير مع حاشية الدسوقي
"السفر الذي يبيح القصر هو ما كانت مسافته أربعة بُرُد، وهي ستة عشر فرسخًا... أي ما يعادل نحو 48 ميلًا شرعيًا، وهو ما يُقارب 80 كم."
شروطهم:
- نية السفر لمسافة 4 بُرد (80 كم تقريبًا).
- الخروج من عمران البلد.
- لا يُراعى الزمان، بل المسافة هي المعتمدة.
تنبيه من الدسوقي:
لا يُعتبر السفر القصير (أقل من 4 بُرد) سفرًا شرعيًا ولو طال زمنه.
ثانيًا: الحنفية
المرجع: بدائع الصنائع للكاساني
"القدر الذي يجوز فيه القصر: إذا نوى أن يسير مسيرة ثلاثة أيام قاصدًا، فله القصر."
التقدير عندهم:
- مسيرة ثلاثة أيام سيرًا معتادًا للمشاة.
- تقدّر بـ 24 فرسخًا.
- تساوي تقريبًا 72 ميلًا شرعيًا، أي حوالي 120 كم.
تنبيه من الكاساني:
العبرة ليست فقط بنية الخروج، بل بنية قطع هذه المسافة المحددة (3 أيام / 24 فرسخًا).
ثالثاً: الشافعية
المرجع: المجموع للنووي
يُشترط لِقَصر الصلاة قطع أربع بُرُد، أي ما يعادل 48 ميلًا هاشميًا، وهو ما يُقارب 88 كم. هذا هو المعتمد عند جمهور الشافعية.
"لا تقصروا الصلاة في أقل من أربعة برد." - قول ابن عباس رضي الله عنه
بداية السفر:
تبدأ من مفارقة عمران البلد، أي بعد تجاوز آخر بناء في المدينة أو سورها.
رابعاً: الحنابلة
المرجع: الإنصاف للمرداوي
المسافة اللازمة للقصر تساوي أيضًا أربع بُرُد (≈ 88 كم)، وهو القول المعتمد في المذهب، ويُوافق فيه جمهور الفقهاء.
ضابط ابتداء السفر:
لا يُعدّ المسافر مسافرًا يُبيح له القصر إلا إذا فارَق عمران بلدته.
المطلب الثاني: شرائط القصر
الشرط الأول: نية السفر
وهي شرط عند جميع الفقهاء. ويُشترط عند الجمهور (المالكية، الشافعية، الحنابلة) أن لا يكون السفر لمعصية. أما الحنفية فأجازوا القصر في سفر المعصية لعموم الأدلة.
الشرط الثاني: مسافة السفر
أن يقصد المسافر قطع المسافة المحددة عند كل مذهب كما سبق بيانه. فلو طاف الدنيا دون قصد مسافة محددة، لا يجوز له القصر.
الشرط الثالث: الخروج من عمران بلدته
اتفق الفقهاء على أن القصر لا يبدأ إلا بعد مفارقة بيوت البلدة التي يقيم فيها.
الشرط الرابع: نية القصر عند كل صلاة
الشافعية والحنابلة: يشترطون نية القصر عند تكبيرة الإحرام لكل صلاة.
المالكية: تكفي نية القصر في أول صلاة، ولا يلزم تجديدها.
الحنفية: نية السفر كافية، فهي تجعل فرض المسافر ركعتين تلقائيًا.
المطلب الثالث: مدة الإقامة التي تقطع السفر
الحنفية
إذا نوى الإقامة 15 يومًا فأكثر في مكان واحد، لزمه الإتمام. وما دون ذلك فله القصر.
المالكية
إذا نوى إقامة 4 أيام صحاح (لا يُحسب فيها يوما الدخول والخروج)، وجب عليه الإتمام.
الشافعية
إذا نوى إقامة 4 أيام كاملة غير يومي الدخول والخروج، وجب عليه الإتمام.
الحنابلة
إذا نوى الإقامة أكثر من 4 أيام (أي ما زاد على 20 صلاة)، أتم الصلاة.
الرأي الراجح (الجمهور)
مذهب الجمهور (المالكية والشافعية والحنابلة) هو أن القصر مشروع إذا لم ينوِ المسافر الإقامة 4 أيام فأكثر (غير يومي الدخول والخروج).
تنبيهات هامة:
- إذا كان المسافر مترددًا ولم يعزم على مدة إقامة معينة، يبقى له حكم السفر والقصر ولو طالت المدة، وهذا باتفاق المذاهب الأربعة.
- العبرة بنية الإقامة عند الدخول، وليس بالمدة التي يقضيها فعلاً.
المطلب الرابع: هل القصر عزيمة أم رخصة؟
القصر رخصة (تخيير)
هذا هو رأي جمهور الفقهاء (المالكية، الشافعية، الحنابلة). المسافر مخيّر بين القصر والإتمام، والقصر أفضل أخذًا برخصة الله تعالى.
دليلهم: حديث عائشة رضي الله عنها: "فُرضت الصلاة ركعتين ركعتين، فأقرت في السفر وزيدت في الحضر". وفعل النبي ﷺ حيث صلى أربعاً في المدينة وركعتين في السفر.
القصر عزيمة (واجب)
هذا هو رأي الحنفية وبعض المالكية. يجب على المسافر أن يقصر الصلاة، ولا يجوز له أن يتمها، وإن أتم مع القعود في الركعة الثانية صحت صلاته مع الكراهة.
دليلهم: يرون أن صلاة السفر فُرضت ركعتين ابتداءً، فالزيادة عليها تغيير للفرض.
الخلاصة والراجح
الرأي الراجح والأكثر انتشارًا هو قول الجمهور بأن القصر رخصة مؤكدة يُستحب الأخذ بها، تيسيرًا وتخفيفًا على العباد، لكن الإتمام جائز.