في قديم الزمان، أو ربما في زمان ليس ببعيد، عاش رجلٌ ضاقت به سُبل العيش، واشتد عليه الجوع والعوز حتى كاد اليأس أن يفتك به. لم يجد الرجل من متاع الدنيا ما يبيعه ليسدّ به رمقه سوى قطةٍ هزيلةٍ كانت تؤنس وحدته وتشاركه فتات طعامه القليل.
عزم الرجل أمره، وفي قلبه غصة، على بيع القطة. حملها وسار بها في طرقات المدينة، وكلما مرّ بمجموعة من الناس، سمعهم يتبادلون الإعجاب بها ويطلقون عليها ألقاباً شتى:
تراقصت الكلمات في أذن الرجل، فظنّ أن قطته هذه كنزٌ ثمين، وأنها ستجلب له مبلغاً وفيراً يخرجه من ضائقته. انتشى خيالاً وهو يتصور الدراهم والدنانير.
ولكن، يا لخيبة الأمل! وصل الرجل إلى السوق وعرض قطته للبيع، فمرّ النهار بطوله ولم يقترب منه مشترٍ واحد. غربت الشمس وبدأ اليأس يتسرب إلى قلبه من جديد. وبينما هو يلملم خيبته، اقترب منه رجلٌ يبدو عليه عدم الاكتراث، وقال له ببرود:
"أتبيعها بريال واحد؟"
صُعق الرجل! ريال واحد؟! بعد كل تلك الألقاب الفخمة والمدائح الرنانة! قال للمشتري بامتعاض: "حتى الريال لا تسوى؟!"
ومن شدة الغضب وطول الانتظار وقلة الثمن المرير، أمسك الرجل بذيل القطة المسكينة، وقذف بها من فوق سور عالٍ، وهو يصرخ بمرارة كلمته التي صارت مثلاً:
"قبحكِ الله! ما أكثر ألقابكِ وأقل ثمنكِ!"
وهذا، يا سادة، ما أراه وأسمعه من معظم وغالبية حكامنا العرب في مؤتمراتهم واجتماعاتهم الصورية. تتراقص الألقاب وتتضخم الصفات:
وفي نهاية المطاف، بعد كل هذه الضجة الإعلامية والخطابات الرنانة، لا نسمع إلا تنديداً خجولاً وشجباً باهتاً لما يحدث لإخواننا وجيراننا في غزة الأبية. مشاهد التقتيل والتجويع والحصار والدمار تتوالى على مرأى ومسمع من العالم أجمع، ولا أحد منهم يحرك ساكناً فعلياً، كأن الأمر لا يعنيهم.
فبكل صراحة، وأرجو من الجميع أن يسمح لي بهذه المقولة المستعارة من تلك القصة الحزينة:
قبحكم الله! ما أكثر ألقابكم وأقل ثمنكم وقيمتكم!
مع كامل اعتذاري لكل القطط في هذا العالم، فأنتم أوفى وأكثر قيمة من الكثيرين. والله المستعان.