ندوة: أدلة إثبات عذاب القبر ونعيمه

كانت ومازالت السنة النبوية محل اتفاق بين المسلمين في وجوب العمل بها، إلا من بعض الفرق التي لا يعتد بخلافهم، وقد وردت أدلة في السنة النبوية كثيرة وصريحة في إثبات عذاب القبر ونعيمه. سنتناول في هذه الندوة أدلة إثبات عذاب القبر ونعيمه في مبحثين، وفي كل مبحث خمسة محاور.

المبحث الأول: حجية السنة، ووجوب قبولها

إذا كان القرآن قد وضع القواعد والأسس العامة للتشريع والأحكام ، فإن السنة قد عنيت بتفصيل هذه القواعد ، وبيان تلك الأسس ، وتفريع الجزئيات على الكليات ، ولذا فإنه لا يمكن للدين أن يكتمل ولا للشريعة أن تتم إلا بأخذ السنة جنباً إلى جنب مع القرآن ، وقد جاءت الآيات المتكاثرة والأحاديث المتواترة آمرة بطاعة الرسول - صلى الله عليه وسلم -، والاحتجاج بسنته والعمل بها ، إضافة إلى ما ورد من إجماع الأمة وأقوال الأئمة في إثبات حجيتها ووجوب الأخذ بها.

المحور الأول: أدلة الكتاب

دلت عدة آيات من القرآن الكريم على حجية السنة ، ووجوب متابعة النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ومن ذلك:

  • الآيات التي تصرح بوجوب طاعة الرسول - صلى الله عليه وسلم - واتباعه ، والتحذير من مخالفته وتبديل سنته ، وأن طاعته طاعة لله ، كقوله سبحانه:
    {يـا أيـها الذين آمـنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم} (محمد: 33)
    وقوله تعالى:
    {من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظاً} (النساء: 80)
    وقوله:
    {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب} (الحشر: 7)

المحور الثاني: أدلة السنة

وأما السنة فقد ورد فيها ما يفوق الحصر ، ويدل دلالة قاطعة على حجية السنة ولزوم العمل بها ، ومن ذلك:

  • الأحاديث التي يبين فيها - صلى الله عليه وسلم - بأنه قد أوحي إليه القرآن وغيره ، وأن ما بينه وشرعه من الأحكام فإنما هو بتشريع الله تعالى له ، وأن العمل بالسنة عمل بالقرآن ، وأن طاعته طاعة لله ، ومعصيته معصية لله جل وعلا ، كقوله - صلى الله عليه وسلم - :
    (يوشك الرجل متكئا على أريكته يحدث بحديث من حديثي فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله عز وجل ، فما وجدنا فيه من حلال استحللناه ، وما وجدنا فيه من حرام حرمناه ، ألا وإن ما حرم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مثل ما حرم الله) رواه ابن ماجه
    وفي رواية أبي داود:
    (ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه ، ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول : عليكم بهذا القرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه وما وجدتم فيه من حرام فحرموه)

المحور الثالث: عمل الصحابة

وعلى ذلك كان عمل الصحابة رضي الله عنهم من الاحتجاج بسنته - صلى الله عليه وسلم - والاقتداء بهديه ، وامتثال أوامره ، والرجوع إليه في الدقيق والجليل ، فكانوا أحرص الخلق على ملاحظة أقواله وأفعاله وحفظها والعمل بها ، وبلغ من اقتدائهم أنهم كانوا يفعلون ما يفعل ويتركون ما يترك ، من دون أن يعلموا لذلك أي سبب أو حكمة كما روى البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما قال :

" اتخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خاتماً من ذهب فاتخذ الناس خواتيم من ذهب ، ثم نبذه النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال : (إني لن ألبسه أبداً) فنبذ الناس خواتيمهم "
وروى أبو داود عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال :
" بينما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي بأصحابه إذ خلع نعليه فوضعهما عن يساره ، فلما رأى ذلك القوم ألقوا نعالهم ، فلما قضى صلاته قال : ما حملكم على إلقائكم نعالكم ، قالوا : رأيناك ألقيت نعليك فألقينا نعالنا ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (إن جبريل أتاني فأخبرني أن فيهما قذرا) "

المحور الرابع: إجماع الأمة وتعذر العمل بالقرآن وحده

ولو تتبعنا آثار السلف ومن بعدهم من الأئمة ، لم نجد أحداً - في قلبه ذرة من الإيمان وشيء من النصيحة والإخلاص - ينكر التمسك بالسنة والاحتجاج بها والعمل بمقتضاها ، بل على العكس من ذلك لا نجدهم إلا متمسكين بها ، مهتدين بهديها ، حريصين على العمل بها ، محذرين من مخالفتها ، وما ذاك إلا لأنها أصلٌ من أصول الإسلام وعليها مدار فهم الكتاب ، وثبوت أغلب الأحكام ، فعلى حجية السنة انعقد إجماعهم ، واتفقت كلمتهم ، وتوطأت أفئدتهم.

قال الإمام الشافعي رحمه الله :

" أجمع الناس على أن من استبانت له سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يكن له أن يدعها لقول أحد من الناس "
وقال في الأم :
" لم أسمع أحداً نسبه الناس أو نسب نفسه إلى علم ، يخالف في أن فرض الله عز وجل اتباع أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والتسليم لحكمه ، وأن الله عز وجل لم يجعل لأحد بعده إلا اتباعه ، وأنه لا يلزم قول بكل حال إلا بكتاب الله أو سنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - ، وأن ما سواهما تبع لهما ، وأن فرض الله علينا وعلى من بعدنا وقبلنا في قبول الخبر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واحد لا يختلف فيه الفرض ، وواجب قبول الخبر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "

تعذر العمل بالقرآن وحده

ومما يدل على حجية السنة - من حيث النظر - أنه لا يمكن الاستقلال بفهم الشريعة وتفاصيلها وأحكامها من القرآن وحده ، لاشتماله على نصوص مجملة تحتاج إلى بيان ، وأخرى مشكلة تحتاج إلى توضيح وتفسير ، فكان لا بد من بيان آخر لفهم مراد الله ، واستنباط تفاصيل أحكام القرآن ، ولا سبيل إلى ذلك إلا عن طريق السنة ، ولولاها لتعطلت أحكام القرآن ، وبطلت التكاليف.

قال الإمام ابن حزم رحمه الله :

" في أي قرآن وجد أن الظهر أربع ركعات ، وأن المغرب ثلاث ركعات ، وأن الركوع على صفة كذا ، والسجود على صفة كذا ، وصفة القراءة فيها والسلام ، وبيان ما يجتنب في الصوم ، وبيان كيفية زكاة الذهب والفضة ، والغنم والإبل والبقر ، ومقدار الأعداد المأخوذ منها الزكاة ، ومقدار الزكاة المأخوذة ، وبيان أعمال الحج من وقت الوقوف بعرفة ، وصفة الصلاة بها وبمزدلفة ، ورمي الجمار ، وصفة الإحرام وما يجتنب فيه ، وقطع يد السارق ، وصفة الرضاع المحرم ، وما يحرم من المآكل ، وصفة الذبائح والضحايا ، وأحكام الحدود ، وصفة وقوع الطلاق ، وأحكام البيوع ، وبيان الربا والأقضية والتداعي ، والأيمان والأحباس والعمرى ، والصدقات وسائر أنواع الفقه ؟ وإنما في القرآن جمل لو تركنا وإياها لم ندر كيف نعمل فيها ، وإنما المرجوع إليه في كل ذلك النقل عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وكذلك الإجماع إنما هو على مسائل يسيرة... فلا بد من الرجوع إلى الحديث ضرورة ، ولو أن امرءا قال : لا نأخذ إلا ما وجدنا في القرآن لكان كافرا بإجماع الأمة " اهـ .

المحور الخامس: قبول أحاديث الآحاد في العقائد والأحكام

ظلت أحاديث النبي - صلى الله عليه وسلم - محل التسليم والقبول بدءاً من عهد الصحابة رضي الله عنهم والتابعين وسلف الأمة الأخيار ، من غير تفريق بين المتواتر والآحاد، وبين ما يتعلق بأمور المعتقد وما يتعلق بالأحكام العملية ، فكان طريق العلم والعمل بها هو الخبر الصادق، وكان الشرط الوحيد في قبول الحديث هو الصحة ، سواء قل رواته أم كثُروا ، ولم يكونوا يطلبون أمرًا زائدًا على الصحة، حتى ظهرت بدع الاعتقاد ، وتأثر فئام من الناس بالمنهج الفلسفي الكلامي ، فأعملوا عقولهم وآراءهم وقدموها على الوحي ، وعلى كلام الله وكلام رسوله عليه الصلاة والسلام ، تحت دعوى تقديس الوحيين ، وتعظيم الله وتنزيهه عما لا يليق به .

المبحث الثاني: أدلة إثبات عذاب القبر ونعيمه

المحور الأول: أدلة عذاب القبر من السنة النبوية

تبين وقوع العذاب في القبر لبعض العصاة والكفار:

1. حديث البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم في رؤيا عذاب القبر

عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«مررتُ على رجلين يُعذَّبان في قبريهما، أما أحدهما فكان لا يستتر من بوله، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة...»

المصدر: صحيح البخاري (الحديث رقم: 218)

الشرح: فيه إثبات أن العذاب يقع في القبر بسبب الذنوب، كترك الاستبراء من البول والنميمة.

2. حديث الاستعاذة من عذاب القبر بعد التشهد

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«إذا فرغ أحدكم من التشهد الأخير، فليتعوذ بالله من أربع: يقول: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر...»

المصدر: صحيح مسلم (الحديث رقم: 588)

الشرح: يدل على أن عذاب القبر حق، لأن النبي أمرنا بالاستعاذة منه في كل صلاة.

3. حديث عذاب الكافر في القبر

عن البراء بن عازب رضي الله عنه، في حديث طويل يصف حال العبد المؤمن والكافر عند الموت، وفيه:
«... ويأتيه (أي الكافر) ملكان شديدا الانتهار، فيقولان له: من ربك؟... فيضرب بمطرقة من حديد بين أذنيه، فيصيح صيحة يسمعها من يليه إلا الثقلين»

المصدر: رواه أحمد وأبو داود وهو حديث صحيح

الشرح: يوضح عذاب القبر للكافر، وضربه بالمطارق، وسماع من حوله لصراخه.

4. حديث ضرب الكافر بمطرقة في القبر

عن أنس بن مالك رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
«إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه، وإنه ليسمع قرع نعالهم، أتاه ملكان... فإن كان كافراً... فيضرب بمطرقة من حديد، فيصيح صيحةً يسمعها من يليه إلا الثقلين»

المصدر: متفق عليه (البخاري ومسلم)

الشرح: تأكيد على عذاب الكافر في القبر بالضرب بمطرقة من حديد.

5. حديث النبي مع اليهودية التي تحدثت عن عذاب القبر

عن عائشة رضي الله عنها قالت:
«دخلتْ عليّ عجوزان من عُجُز يهود المدينة، فقالتا: إن أهل القبور يُعذَّبون في قبورهم، فكذبتهما... ثم خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى صلاة، وسمعتُه يقول في صلاته: "أعوذ بالله من عذاب القبر"، فلما انصرف قلتُ: يا رسول الله، إن عجوزين زعمتا كذا وكذا... قال: صدقتا، إنهم يعذبون عذابًا تُسمعه البهائم»

المصدر: صحيح البخاري

الشرح: إقرار النبي صلى الله عليه وسلم لكلام اليهوديتين، وتأكيد أن عذاب القبر حقيقة تسمعها البهائم.

الخلاصة

أحاديث عذاب القبر متواترة في المعنى، ومثبتة في أصح كتب السنة. العذاب يكون بسبب الذنوب مثل النميمة، عدم الاستبراء من البول، الكفر، الكذب، أكل الربا، وغير ذلك. الاستعاذة من عذاب القبر سنة مؤكدة في كل صلاة.

المحور الثاني: ضمة القبر ولمن تكون

أولاً: تعريف ضمة القبر

ضمة القبر أو ضغطة القبر: هي ما يحدث للميت عند أول نزوله القبر، حيث يضمه القبر ضمة تختلف شدتها بحسب حاله. وهي أول ما يواجه الإنسان في حياة البرزخ، وتعتبر من سنن الله في خلقه.

ثانياً: هل ضمة القبر تحصل لكل أحد؟

نعم، أغلب النصوص تدل على أن كل أحد يُضَمّ في قبره، لكن هناك تفاوت في شدتها:

  • الصالحون: يُضَمّون ضمة خفيفة لا ألم فيها، فيها رحمة.
  • الفاسدون والمذنبون: تُشد عليهم الضمة حتى تختلف أضلاعهم (بعض الأحاديث ورد فيها هذا التصوير).

الدليل على أنها تحصل للجميع:

عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«إن للقبرِ ضغطةً، لو كان أحدٌ ناجيًا منها، لنجا سعدُ بن معاذٍ»
(رواه النسائي وصححه الألباني)

وسعد بن معاذ من كبار الصحابة، ومع ذلك لم ينجُ من الضغطة، مما يدل على عمومها.

المحور الثالث: الحكمة من ضمة القبر

  1. تذكير الميت بانتقاله من الدنيا إلى البرزخ: هي أول صدمة له بعد خروجه من الدنيا، فيشعر بها أنه انتقل إلى عالم آخر. وهذا يُهيئه لما بعده من سؤال الملكين والحساب.
  2. نوع من التطهير والتكفير: قال بعض العلماء إن الضغطة تكفر شيئًا من الذنوب، خاصة الذنوب التي ارتُكبت في حق النفس أو الغير ولم تُكفّر بالدنيا.
  3. إظهار عدل الله في خلقه: فحتى سعد بن معاذ، مع عظم مكانته، لم يُعفَ من الضغطة، وهذا إشارة إلى عدل الله وأنه لا يُحابِي أحدًا.
  4. تذكير للأحياء: بأن هذه الضغطة ستنال كل أحد، فيزداد الإنسان حرصًا على التوبة والعمل الصالح.

المحور الرابع: هل ضمة القبر عذاب؟

ليست بالضرورة عذابًا، وإنما تختلف باختلاف الشخص:

  • للمؤمن الصالح: قد تكون كحضن الأم لولدها، فيها شيء من الهيبة لكن دون ألم.
  • للعاصي أو الكافر: تكون عذابًا فعليًا، وقد يُشد عليه حتى تتداخل أضلاعه.
عن ابن عباس رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«لو نجا أحد من ضغطة القبر لنجا هذا الصبي»
(رواه الطبراني، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة)

والصبي لا ذنب له، ومع ذلك نالته الضغطة – وإن كانت ضمة رحمة – فكيف بالكبار؟

المحور الخامس: أقوال العلماء في ضمة القبر، وكيف يتجنب المسلم شدة ضغطة القبر

أقوال العلماء:

ابن القيم رحمه الله:

"ضغطة القبر أول ما يلاقي الميت، وهي بحسب عمله، فالمؤمن الصادق تكون عليه كضمّة الأم الشفيقة، وأما الفاجر فكما وصفه النبي صلى الله عليه وسلم من اختلاف أضلاعه."

القرطبي رحمه الله في "التذكرة":

"هذه الضغطة لا يسلم منها أحد، وهي من أمور البرزخ التي يُظهر الله بها لطفه وعدله."

كيف يتجنب الإنسان شدة ضغطة القبر؟

  1. الاستقامة والتوبة: كلما كان العبد تقيًا، خفّ عليه ما بعد الموت.
  2. ترك الظلم: الظلم خاصة للعباد من أسباب شدة الضغطة.
  3. كثرة الذكر والاستغفار.
  4. الإحسان للخلق: حسن المعاملة والرحمة بالناس والرفق بالمخلوقات.
  5. الموت على الطاعة.